الأمن من المحاسبة الدنيوية

 

بقلم / محمـــد الدكـــروري

اعلموا أن أحيانا يكون الفشل هو طريق النجاح، حيث يصاب بعض الناس بالإحباط

منذ أول تجربة فاشلة يتعرضون لها، فتتوقف الدنيا بعيونهم عند تلك التجربة

ليجمدوا أعمالهم ومسيرتهم خشية تكرار الفشل، والصحيح أن الإخفاق في أمر لا يعني بالضرورة

عدم مناسبته أو ملاءمته للفرد ذاته، إلا أنه إشارة لوجود خطأ معين في الطريقة أو الإستراتيجية

أو الخطة، فإذا إجتاز المرء التجربة بخطئها إكتسب معرفة خاصة بظروفها والطرق

التي لا تناسبها في المرات القادمة، وتحققت لديه الخبرة نسبيا في آليات تجاوز العقبات شيئا فشيئا،

فيكون الخطأ في تجربته الأولى درسا مهما وطريقا ملهما للنجاح في التجارب اللاحقة،

وقد يكون الخطأ مفتاحا لشحذ الهمة وحفز العزيمة والإصرار على المتابعة،

فيتأتى من خلاله النجاح مضاعفا ليجني ذلك المقدام ثمرات الفوز والإنتصار،

واعلموا يا عباد الله أن الاغترار بالقوة والقدرة.

 

والأمن من المحاسبة الدنيوية هي من أسباب الاستخفاف بالحقوق، فقد كتب أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز إلى بعض عمّاله ” أمّا بعد فإذا دعتك قدرتك على الناس إلى ظلمهم فاذكر قدرة الله عليك وفناء ما تؤتي إليهم وبقاء ما يؤتون إليك، والسلام ” وفي يوم القيامة تتكشف تلك الذرائع عن فسادها، ويبدو المستور، وتسقط أقنعة التأويلات، ويبوء أهلها بشؤم عقباها، وللمخالط والصاحب بالغ الأثر في حفظ حقوق الخلق واستلابها، فالمرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس إلى أصحابه ويبين لهم الحقائق، ويصحح لهم المفاهيم، ويلفت انتباههم إلى ما غاب عنهم أو التبس عليهم، وكثيرا ما كان يجلي لهم الفارق بين قوانين الدنيا وقوانين الآخرة، وبين موازين الله وموازين العباد، فالحمد لله رب العالمين القائم على كل نفس بما كسبت، الرقيب على كل جارحة بما إجترحت.

 

المطلع على ضمائر القلوب إذ هجست، والحسيب على خواطر عباده إذا اختلجت، الذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات والأرض تحركت أو سكنت، المحاسب على النقير والقطمير والقليل والكثير من الأعمال وإن خفيت، المتفضل بقبول طاعات العباد وإن صغرت، المتطوّل بالعفو عن معاصيهم وإن كثرت، وإنما يحاسبهم لتعلم كل نفس ما أحضرت، وتنظر فيما قدمت وأخرت، وتعلم أنه لولا لزومها للإخلاص والصدق والمحاسبة في الدنيا شقيت في صعيد القيامة وهلكت، وبعد الإخلاص والصدق والمحاسبة لولا فضله بقبول بضاعتها المزجاة لخابت وخسرت، فاتقوا الله تعالى حق تقواه، واخشوه وأطيعوه، فإن الخوف من الله شجرة طيبة إذا نبت أصلها في القلب إمتدت فروعها الى الجوارح فآتت أكلها بإذن ربها وأثمرت عملا صالحا وقولا حسنا وسلوكا قويما وفعلا كريما، وكلما كان العبد أقرب إلى ربه.

 

كان أشد له خشية ممن دونه، كما وصف الله الملائكة بقوله تعالي ” يخافون ربهم من فوقهم ” ووصف الأنبياء بقوله تعالي “الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله” وقال في العلماء ” إنما يخشى الله من عباده العلماء” وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “أنا أعلمكم بالله وأشدكم له خشية” وفي حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ذكر النبي صلى الله عليه وسلم منهم ” ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله” وقال ” ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه” فإن العبد المؤمن الخائف من ربه يعيش في هذه الدنيا بين مخافتين، أجل قد مضى لا يدري ما الله صانع فيه، وبين أجل قد بقي لا يدري ما الله قاضي فيه، والذي نفسي بيده ما بعد الموت مستعتب، ولا بعد الدنيا من دار، إلا الجنة أو النار، فاتقوا الله عباد الله وعمقوا معاني الخوف من ربكم عز وجل.

 

وعمقوا معاني الخوف في قلوبكم تسعدوا وترشدوا في الدنيا والآخرة، ويحصل لكم الأمن في الدنيا والآخرة، فإنه من خاف الله تعالي خوفا حقيقا أخاف الله منه كل شيء، ومن لم يخف الله أخافه الله من كل شيء، فإن الخوف يؤدب جوارح العبد، ويولد في القلب السليم الذل والخشوع والاستكانة لرب الأرض والسماوات، وإن كان القلب كذلك مستشعرا روح الخوف والرهبة من الله سبحانه وتعالى، فإنه يظل عامرا بالإيمان واليقين ولهذا قال بعضهم “ما فارق الخوف قلبا إلا خرب”

عن دكتوره مرفت عبد القادر

شاهد أيضاً

السلام وتوقير الكبير والتواضع له

500 73 بقلم / محمـــد الدكـــروري يقول تعالى ” ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان …