حرمة التعاون على الإثم والعدوان

 

بقلم / محمـــد الدكـــروري

الحمد لله رب الأرض ورب السماء، خلق آدم وعلمه الأسماء، وأسجد له ملائكته، وأسكنه الجنة دار البقاء، وحذره من الشيطان ألد الأعداء، ثم أنفذ فيه ما سبق به القضاء، فأهبطه إلى دار الإبتلاء، وجعل الدنيا لذريته دار عمل لا دار جزاء، وتجلت رحمته بهم فتوالت الرسل والأنبياء، وما منهم أحد إلا جاء معه بفرقان وضياء، ثم ختمت الرسالات بالشريعة الغراء، ونزل القرآن لما في الصدور شفاء، فأضاءت به قلوب العارفين والأتقياء، وترطبت بآياته ألسنة الذاكرين والأولياء، ونهل من فيض نوره العلماء والحكماء، نحمده تبارك وتعالى على النعماء والسراء، ونستعينه على البأساء والضراء، ونعوذ بنور وجهه الكريم من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وعضال الداء، وشماتة الأعداء، ونسأله عيش السعداء، وموت الشهداء، والفوز في القضاء، وأن يسلك بنا طريق الأولياء الأصفياء.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ليس له أنداد ولا أشباه ولا شركاء، خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء، خلق الخلق فمنهم السعداء ومنهم الأشقياء، محيط بخلقه فليس لهارب منه نجاء، قادر مقتدر فكل الممكنات في قدرته سواء، سميع بصير يرى النملة السوداء في الليلة الظلماء، ويسمع دبيبها على الصخرة الصماء، أجرى الأمور بحكمته وقسم الأرزاق وفق مشيئته بغير عناء، لا يشغله شأن عن شأن، فكل شيء خُلق بقدر، وكل أمر جرى بقضاء، وأشهد أن سيدنا محمدا خاتم الرسل والأنبياء،

وإمام المجاهدين والأتقياء، والشهيد يوم القيامة على الشهداء، المعصوم صلى الله عليه وسلم فما أخطأ قط وما أساء، دعا أصحابه إلى الهدى فلبّوا النداء، فإذا ذاته رحمة لهم ونور، وإذا سلوكه إشراق وضياء، هو القدوة النيرة في الصبر على البلاء.

والعمل لدار البقاء، وهو الأسوة المشرقة في الزهد في دار الفناء، فكم مرت شهور ولا طعام له ولأهل بيته إلا التمر والماء، إشتهر من قبل البعثة بالصدق، فلم يعرف عنه كذب ولا نفاق ولا رياء، لم يؤثر عنه غدر، بل إخلاص وأمانة ووفاء صلى الله عليه قديما، وكذا الملائكة في السماء، وصلى هو في المسجد الأقصى بالرسل والأنبياء، سبح الحصى في كفه بخير الأسماء، وحين ظمئ أصحابه نبع من بين أصابعه الماء، فاللهم صلي وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته الأجلاء، وعلى السائرين على دربه والداعين بدعوته إلى يوم اللقاء، ما تعاقب الصبح والمساء، وما دام في الكون ظلمة وضياء،

أما بعد إن الإثم هو كل كبيرة من كبائر الذنوب، كأن يتفق جماعة على فتح بيت للدعارة أو ملهي ليلي فهذا تعاون على الإثم، ولو إتفق جماعة على فتح بنك ربوي في قرية.

أو مدينة فهذا تعاون على الإثم، ولو تكونت جماعة للصوصية والسرقة فكذلك، وكذلك لو تعاونوا على الغيبة، أو كالزنا والسرقة والغيبة والنميمة والسب والشتم وترك الواجبات وإرتكاب المحرمات في المناكح والمطاعم والمشارب والملابس وغيرها، وكذلك لو إتفقوا على أن يوردوا الخمور، فكل هذا تعاون على الإثم، أو يوردوا الكعب العالي واللباس الهزيل الذي يكشف سوأة المرأة، كما يفعل هؤلاء السادة التجار في بلاد المسلمين، أو يصنعونه هم، كالذين يصنعون المحتويات الهابطة الساقطة، وتلك هي الإثم الذي يحرم التعاون على إيجاده أو بقائه بين المؤمنين، أما العدوان فهو الظلم، وهو الإعتداء على أرواح الناس أو أعراضهم أو أموالهم، فلا يحل إعانة ظالم بحال من الأحوال، بل ولا الركون إليه لقول الله تعالى ” ولا تركنوا إلي الذين ظلموا فتمسكم النار ” والركون يكون بالميل إليه.

والرضا بظلمه، وعدم نهيه عنه، والأمر بتقوى الله عز وجل، إذ قال تعالى ” واتقوا الله إن الله شديد العقاب ” والأمر بالتقوى معناه الأمر بطاعة الله وطاعة رسوله المصطفي صلي الله عليه وسلم، وأولي الأمر من المؤمنين، وتتحقق التقوى بفعل ما يأمر الله به، ويأمر به رسوله من الواجبات والمندوبات، وبترك ما نهى الله عنه ونهى عنه رسوله من الإعتقادات الباطلة والأقوال السيئة والأفعال الضارة الفاسدة، وختم تعالى مضمون هذا النداء العظيم بقوله تعالي ” إن الله شديد العقاب ” فإذا عاقبك وأخذ العقاب من الوراء والعقب، ولما يهرب أمامك الشخص فإنك تمسكه من وراءه، وحاشا الله تعالي أن يبدأك بالظلم، بل لما تظلم وتمشي فإنه يأخذك من وراءك، وهذا العقاب ليحذر المؤمنين من عدم النهوض بما تضمنه هذا النداء من الأوامر والنواهي.

فإنهم إن أهملوا ما كلفوا به ستنزل بهم عقوبة الله تعالي، فيندمون ولا ينفعهم ندم، ألا فلنحذر عذاب الله يا عباد الله ” والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب ” والآيات واضحة ومفسرة في الواقع، وهذا نداء من تسعين نداء، فلم يبقي شيء من العلم غير موجود في هذه النداءات، فلتطبع وتوضع عند كل رأس كل مؤمن ومؤمنة، ولكن ما زالت الشمس لم تطلع علينا.

You May Have Missed