محاولة لقراءة هادئة فى المشهد السياسى العالمى الحالى
500197
كتب أيمن بحر
لا توجد مفاجأة حقيقية فى ما نراه اليوم فنحن نعيش مرحلة البلطجة الأميركية الكاملة حيث يتحرك النظام العالمي بلا أقنعة وتدخل فنزويلا لتصبح حلقة جديدة فى سلسلة لعنة الذهب الأسود التى تطارد كل دولة تملك ثروة ولا تملك قرارها
الهيمنة الأميركية ليست وليدة اللحظة بل هى مشروع متكامل يقوم على عدة ركائز ثابتة فى مقدمتها الانتشار العسكرى الواسع عبر مئات القواعد فى مختلف قارات العالم ثم التفوق التكنولوجى والقوة العسكرية الصلبة إلى جانب الغزو الثقافى الذى يعيد تشكيل الوعى ويصنع العقول على مقاس القوى الكبرى ويأتي الدولار كسلعة وعملة تفرض النفوذ وأخيرا الدور الأخطر وهو تموضع الولايات المتحدة كعاصمة غير معلنة لحكومة العالم الخفية
الخطابات الأيديولوجية لم تعد مجدية فالاشتراكية الماركسية تحولت إلى فكر متجاوز يشبه استخدام أدوات قديمة فى عصر الذكاء الاصطناع دول كثيرة ما زالت أسيرة هذا الوهم فغرقت فى الفقر وخرجت من سياق الزمن بينما العالم يندفع بسرعة غير مسبوقة
روسيا بدورها سقطت فى فخ الصورة القديمة قوة كبرى تحاول الحفاظ على هيبتها بينما تستنزف فى مستنقع أوكرانيا لتبدو كقوة مرهقة تقاتل للحفاظ على الماضى أكثر من صناعة المستقبل
الصين على النقيض تركز على الاقتصاد والتصنيع وتمتلك التفوق الصناعي والقوة العسكرية لكنها لا تزال حذرة فى الدخول بمواجهة شاملة فالثقافة الأميركية ما زالت تضرب عمق المجتمع الصيني فيما يفضل التنين الصينى الانتصار الهادئ عبر الاقتصاد لا الدم
في العالم العربى تتكرر المأساة ذاتها انتظار الحلول من الخارج والرهان على مواقف دول بعيدة أو بيانات دعم لا تغير شيئا فى الواقع الحقيقة أن كل دولة لا تحمى نفسها بنفسها ستدفع الثمن عاجلا أو آجلا
بناء الجيوش الوطنية وسياسة الردع لم تعد رفاهية بل ضرورة وجودية والتسليح الحديث أصبح يتم فى صمت بعيد عن الضجيج وفى هذا الإطار نجحت مصر فى بناء قدرات عسكرية متطورة برؤية واضحة رغم حملات التشكيك والهجوم التى صاحبت هذا المسار
أوروبا تعيش مرحلة احتضار صامت خارج سباق الذكاء الاصطناعى وتعانى من أزمات إنتاج وشيخوخة اقتصادية جعلتها عاجزة عن منافسة الصين وتشير المؤشرات إلى موجات إفلاس غير مسبوقة تؤكد تراجع وزن القارة العجوز فى النظام العالمي الجديد
الخطر الأكبر الذى يواجه الدول ليس العدو الخارجى بل الطابور الخامس الخونة والعملاء الذين ينخرون فى الجسد من الداخل كما حدث فى فنزويلا وكما تظهر نماذجه فى أكثر من دولة عربية حيث تلعب هذه العناصر أدوارا تخريبية فى لحظات مفصلية
واشنطن ما زالت تصر على لعب دور الفتوة فى عالم مضطرب لكن التاريخ يعلمنا أن الحضارات تسقط عندما تتكامل عوامل الغرور بالقوة والانحطاط الأخلاقى وفساد الفكر وتشوه العقيدة ورفض النصح وكل هذه العلامات باتت واضحة فى الحضارة السائدة اليوم
العالم لا يعترف إلا بالقوة والقوة لا تُبنى بالشعارات بل بالعمل والعلم وإنتاج التكنولوجيا ومجتمعاتنا لن تنهض ما دامت تحتقر العلم وتستهلك المعرفة دون أن تنتجها فطريق الخلاص يبدأ من إعادة الاعتبار للعقل والبحث والعمل كما علمنا أول نداء فى كتابنا