ملك صالح مع قوم شر فاسدين

بقلم محمد الدكروري

لقد كان فتح مكة في السنة الثامنة من الهجرة، وقد ضرب فيه النبي المصطفي صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في الصفح والعفو عن المسيئين، وتلك كانت خصائص شهر رمضان،

فهو شهر المغفرة والرحمة والعفو، والأمن والأمان، والسلم والسلام، فكان رمضان منطلقا بالأمة نحو العالمية، حيث خرج المسلمون من حدود الجزيرة العربية إلى آفاق العالم،

وحملوا معهم قيم العدل والرحمة ونسائم الحرية، عندما فتحوا الأندلس، ولقد كانت هناك قصة ملك صالح مع قوم شر فاسدين مفسدين يعيثون في الأرض الفساد، ذكرها الله سبحانه وتعالى، في كتابه الكريم في سورة الكهف، إنها قصة الملك ذو القرنين مع يأجوج ومأجوج، وتحكي الآيات الكريمة قصة يأجوج ومأجوج وهي قبيلة بربرية كانت تفسد في الأرض وتعتدي على جيرانها بالقتل والسلب والنهب، وقد ورد خبرهم في القرآن الكريم في سياق قصة ذي القرنين.

وكما قيل أن ذو القرنين، وهو ملك صالح مؤمن يسّر له الله أسباب المُلك والسلطان والفتح والعمران، فانطلق في حملة تهدف إلى نشر دين الله بين الأقوام الوثنية،

حتى بلغ مغرب الشمس، أي أقصى حد يمكن أن يصل له الإنسان في الأرض،

حيث تغرب الشمس على أفق المحيط، وبعد أن انتهى ذو القرنين من فتح البلاد التي الغرب، توجه للشرق، فوصل لأول منطقة تطلع عليها الشمس، وكانت أرضا مكشوفة لا أشجار فيها ولا مرتفعات تحجب الشمس عن أهلها، فحكم ذو القرنين في المشرق بنفس حكمه في المغرب،

ثم انطلق، ووصل ذو القرنين في رحلته، لقوم يعيشون بين جبلين أو سدّين بينهما فجوة وكانوا يتحدثون بلغتهم التي يصعب فهمها، وعندما وجدوه ملكا قويا طلبوا منه أن يساعدهم في صد يأجوج ومأجوج الذين كان يعتدون عليهم ويفسدون في الأرض بأن يبني لهم سدا لهذه الفجوة.
مقابل مبلغ من المال يدفعونه له فوافق الملك الصالح على بناء السد، لكنه زهد في مالهم، واكتفى بطلب مساعدتهم في العمل على بناء السد وردم الفجوة بين الجبلين، واستخدم ذو القرنين وسيلة هندسية مميزة لبناء السد فقام أولا بجمع قطع الحديد، ووضعها في الفتحة حتى تساوى الركام مع قمتي الجبلين، ثم أوقد النار على الحديد، وسكب عليه نحاسا مذابا ليلتحم وتشتد صلابته، فسدت الفجوة، وانقطع الطريق على يأجوج ومأجوج، فلم يتمكنوا من هدم السد، وأمن القوم الضعفاء من شرهم وبعد أن انتهى ذو القرنين من هذا العمل الجبار، نظر للسد، وحمد الله على نعمته، ورد الفضل والتوفيق في هذا العمل لله سبحانه وتعالى، فلم تأخذه العزة، ولم يسكن الغرور قلبه، وهناك إشارة جلية إلى أن بقاء يأجوج ومأجوج محصورين بالسد إنما هو إلى وقت معلوم وهذا الوقت هو ما أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديثه.
من أن خروجهم يكون في آخر الزمان قرب قيام الساعة، وإن قصة ذي القرنين، من القصص الواردة في سورة الكهف، وفيها أن ذا القرنين من الذين مكنهم الله عز وجل في الأرض، وأعطاه من الأسباب ما يعينه على الوصول إلى أقطار الأرض، إلا أن هذه الأسباب لم يذكرها الله في كتابه ولم يذكرها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في سنته، فقد وصل فيما أعطاه الله إلى موضع غروب الشمس ورآها بأم عينه، ولم يكن بينه وبين الشمس إلا الماء، ووجد عندها قوما كافرين وقد خيّره الله بين تعذيبهم والإحسان إليهم، فقسمهم ذو القرنين إلى قسمين الكافر منهم ينال عقوبته في الدنيا والآخرة، والمؤمن منهم يحسن له في الدنيا وتكون له الجنة في الآخرة، ثم أراد ذو القرنين العودة إلى موضع شروق الشمس، فوجد هناك أناسا لم يكن لهم سترا من الشمس، وذلك لأن الشمس دائمة عندهم فلا تغرب، أو لعدم وجود مساكن لهم.
ثم توجه إلى الشمال فوجد سدين قد أقيما بين الناس وبين يأجوج ومأجوج، ووجد من دون السدين قوما لا يفقهون قوله، ومع ذلك فقد منحه الله القدرة على أن يفقه ما يتكلمون به، فاشتكوا إليه من فساد يأجوج ومأجوج، وطلبوا منه أن يقيم سدا بينهم على أن يعينوه ويدفعوا له الأجر، فأقام لهم سدا قويا مانعا ورفض الأجر، ثم توجه إلى الله بشكره والثناء عليه وأعاد الفضل له.

عن محمد البحيري

شاهد أيضاً

السلام وتوقير الكبير والتواضع له

500 73 بقلم / محمـــد الدكـــروري يقول تعالى ” ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان …