500 74
بقلم / محمـــد الدكـــروري
الحمد لله بيده مفاتيح الفرج، شرع الشرائع وأحكم الأحكام وما جعل علينا في الدين من حرج، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، قامت على وحدانيته البراهين والحجج، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، هو المفدى بالقلوب والمهج، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ساروا على أقوم طريق وأعدل منهج، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا، ثم أما بعد إن سعادة الدنيا بالعلم والإيمان طريق إلى السعادة الأبدية في البرزخ والآخرة، يوم تبيض وجوه وتسودوجوه، يوم ينقسم الناس إلى فريقين، فريق في الجنة وفريق في السعير، يوم تطير الصحف ذات اليمين وذات الشمال، فمنهم من يأخذ كتابه بيمينه فيستبشر خيرا، ومنهم من يمسك كتابه بشماله فسيدعو ويلا وثبورا.
وإن غاية المسلم وأسمى أمانيه أن يظفر بالسعادة الأبدية في جنات النعيم مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، وأن يتنعم بالنظر إلى وجه ربنا الكريم، هذه هي السعادة التي ينبغي أن ننشدها ونبذل فيسبيلها النفس والنفيس، وكل غالي ورخيص، فشمروا عن ساعد الجد والإجتهاد، وطلقوا الكسل والخمول والرقاد، واعملوا فكل ميسر لما خلق له، فقال تعالى ” يوم يأتي لا تكلم نفس إلا بإذنه، فمنهم شقي وسعيد، فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيهازفير وشهيق، خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك، إن ربك فعال لما يريد، وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ”
واعلموا أن حب الوطن يظهر في المحافظة على أمنه واستقراره والدفاع عنه، حب الوطن يظهر بنشر القيم والأخلاق الفاضلة ونشر روح التسامح والمحبة والأخوة بين الجميع، وأن نحقق مبدأ الأخوة الإيمانية في نفوسنا، وأن ننبذ أسباب الفرقة والخلاف والتمزق، وأن نقيم شرع الله في واقع حياتنا وسلوكنا ومعاملاتنا، ففيه الضمان لحياة سعيدة وآخرة طيبة فقال صلى الله عليه وسلم “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى” رواه مسلم، وحب الوطن فوق أنه فطرة فهو دين فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتفت إلى مكة ليلة الهجرة ويناجيها.
قائلا “ما أطيبك من بلد، وأحبك إلي، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك” الترمذي، ولما اشتد على رسول الله صلى الله عليه وسلم فراق وطنه سلاه ربه عز وجل قائلا ” إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلي معاد ” فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال معني قوله ” لرادك إلي معاد ” إلى مكة” رواه البخاري، وقال القتيبي “معاد الرجل بلده لأنه ينصرف فيعود إلى بلده” فاتقوا الله عباد الله واشكروه على ما منّ به عليكم بعد نعمة الإيمان والإسلام من نعمة الاستقلال والحرية والاستقرار، فإنه بالشكر تزداد النعم، وبحسن التصرف فيها تتمحض المنن، أما عدم شكرها وكفرها فذلك سبب زوالها، ومعول هدمها.
فقال جل وعلا ” لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد” وقال تعالى “وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون “