حروب لا تقاس بالانتصار والهزيمة بل بحسابات النفوذ والمال

 

بقلم/ أيمن بحر

 

يصدمنى كثيرا ما يتكرر فى بعض المقالات والكتابات الفكرية التى تردد أن الولايات المتحدة لم تنتصر فى أى حرب خاضتها.

هذا القول فى جوهره ليس تحليلا سياسيًا بقدر ما هو تبسيط مخل للواقع بل أحيانًا تضليل

يقلل من فهم طبيعة الصراع فى عالم المصالح.

الذين يكررون هذا الطرح غالبًا يقيسون الحروب بمعايير تقليدية تقوم على احتلال الأرض

ورفع الأعلام فوق العواصم وإعلان النصر العسكرى المباشر.

 

لكن الحروب الحديثة لا تُقاس بهذه الطريقة وحدها. فالقوة الكبرى لا تدخل دائمًا الحرب

بهدف تحويل الدول إلى مستعمرات أو فرض وجودها العسكرى الدائم فوق أراضي الآخرين

بل قد تدخلها لتحقيق أهداف أكثر تعقيدًا تتعلق بالنفوذ وإعادة تشكيل موازين القوى.

 

فى منطق الإمبراطوريات لا تكون الحرب مجرد معركة تنتهى بإعلان نصر أو هزيمة

بل تكون أداة ضمن منظومة أكبر من المصالح. لذلك قد تبدو بعض الحروب فى ظاهرها مكلفة

أو غير حاسمة لكن نتائجها الاقتصادية والسياسية قد تمتد لسنوات طويلة بعد انتهاء القتال.

 

فالحروب فى كثير من الأحيان تتحول إلى شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية. الأموال التى تنفق خلال الصراع تعود عبر قنوات متعددة مثل صفقات السلاح وإعادة الإعمار وعقود الطاقة والنفوذ السياسى. وفى هذا الإطار يصبح الصراع بالنسبة لبعض القوى الكبرى استثمارًا طويل المدى أكثر منه مغامرة عسكرية مؤقتة.

وراء المشهد العسكرى الظاهر توجد منظومة أخرى تعمل بعيدًا عن الأضواء حيث تتحرك الشركات الكبرى ومراكز المال والنفوذ لتعيد ترتيب الخريطة الاقتصادية والسياسية. فى تلك المساحات التى لا تصل إليها الكاميرات تتحدد الكثير من النتائج الحقيقية للحروب.

وعندما يقال إن الولايات المتحدة هُزمت فى حرب ما يطرح سؤال بسيط نفسه هل توجد دولة فى العالم دفعت لها واشنطن تعويضات عن حرب خسرتها أو فرضت عليها جزية سياسية أو اقتصادية. الواقع يشير في معظم الحالات إلى العكس حيث تنتهى الكثير من الصراعات بترتيبات تعزز النفوذ الأمريكي فى مناطق متعددة من العالم.

ومع ذلك فإن المفارقة الأعمق تكمن في أن العوائد الاقتصادية والسياسية للحروب لا تنعكس دائمًا على حياة المواطن العادى داخل الولايات المتحدة نفسها. فجزء كبير من هذه الأرباح يتجه إلى شركات عملاقة ومجموعات مصالح محدودة تمتلك قدرة كبيرة على التأثير فى الاقتصاد والسياسة.

ومن هنا يتحول مفهوم الحرب لدى بعض القوى الدولية من صراع عسكرى مباشر إلى صفقة استراتيجية معقدة تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد والنفوذ العالمي.

أما مفهوم السيادة والاستقلال الذى تتغنى به الدول فهو فى بعض الأحيان أكثر تعقيدًا مما يبدو. فالعالم لم يتخلص تمامًا من فكرة السيطرة الخارجية لكنه أعاد تشكيلها بأساليب مختلفة أقل وضوحًا وأكثر تعقيدًا.

فى الماضى كان الاحتلال واضح المعالم جيوش تعبر الحدود وأعلام أجنبية ترفع فوق العواصم. أما اليوم فقد تغيرت أدوات القوة. النفوذ الاقتصادى والضغط السياسى والتحكم فى مسارات القرار قد تصبح أدوات أكثر تأثيرًا من الجيوش والدبابات.

القوة الحديثة لا تحتاج دائمًا إلى جندى يقف فى الشارع أو دبابة تعبر الحدود. أحيانا يكفى أن تتغلغل المصالح الاقتصادية والشبكات المالية داخل مؤسسات الدولة لتصبح قادرة على التأثير فى القرار من الداخل.

وهنا تظهر مفارقة جديدة فى عالم السياسة المعاصر. فالحاكم المحلى الذى يتحدث لغة شعبه ويرفع علم بلده قد يصبح فى بعض الحالات أكثر قدرة على تمرير سياسات خارجية من حاكم أجنبى مفروض بالقوة.

الإنسان يقاوم العدو عندما يراه بوضوح لكنه قد لا يقاوم نفوذا خفيًا لا يدرك وجوده. ولذلك تصبح السيطرة غير المرئية أكثر تعقيدًا وأشد تأثيرًا لأنها تعمل داخل الوعى العام دون أن تثير الشعور المباشر بالمواجهة.

وفى نهاية المطاف فإن الحروب فى عالم السياسة الدولية لا تُفهم فقط من خلال نتائج المعارك بل من خلال شبكة المصالح التى تتشكل بعدها. فبعض الصراعات قد تبدو هزيمة عسكرية لكنها تتحول فى حسابات النفوذ والاقتصاد إلى مكاسب طويلة المدى.

وفى هذا العالم الذى تحكمه المصالح لا تكون الحرب دائمًا نهاية الصراع بل قد تكون بداية مرحلة جديدة من إعادة ترتيب القوة والنفوذ على مستوى العالم.

عن دكتوره مرفت عبد القادر

شاهد أيضاً

إذا فسد الراس فلا صلاح للجسد

500 60 بقلم د حامد ابو المجد عندما تتامل الأحداث الخارجية لأمتنا العربية، صاحبة الماضي …