حسن الشيرازي مع الشاه والتنباك
رشا يوسف
11 يونيو، 2023
المراه و الموضه, مقالات
عدد المشاهدات 5371 49
بقلم / محمـــد الدكـــروري
ذكرت المصادر التاريخية الكثير عن جمال الدين الأفغاني، وقيل ان الشاه عبد العظيم في فارس عندما غضب عليه بوشاية من بعض الناس ان ملك الشاه سينتهي علي يد الأفغاني، فقام بنفيه، فنزل بالبصرة، فعظم ذلك على مريديه، واشتدت ثورة السخط على الشاه، فأقام جمال الدين بالبصرة زمنا حتى أبل من مرضه، ثم أرسل كتابا إلى كبير المجتهدين في فارس محمد حسن الشيرازي، عدد فيه مساوئ الشاه، وخص بالذكر تخويله إحدى الشركات الإنجليزية حق احتكار التنباك في بلاد فارس، وما يفضي إليه من استئثار الأجانب بأهم حاصلات البلاد، وكان هذا النداء من أعظم الأسباب التي جعلت كبير المجتهدين يفتي بحرمة استعمال التنباك إلى أن يبطل الامتياز، فاتبعت الامة هذه الفتوى، وامسكت عن تدخينه.
واضطر الشاه خوف انتقاض الأمة إلى إلغائه، ودفع للشركة الإنجليزية تعويضا فخلصت فارس من التدخل الأجنبي، فكان دوره في المجتمعات الشرقية ومنها إيران غير مشكوك، حتى قيل أن جمال الدين كان المنبه الأول للانقلاب الذي حدث بفارس وهي إيران، في أواخر القرن الماضي، ومكث جمال الدين بالبصرة ريثما عادت إليه صحته، ثم رحل إلى لندن، فتلقاه الإنجليز بالإكرام، ودعوه إلى مجتمعاتهم السياسية والعلمية، وحمل على الشاه وسياسته حملات صادقة في مجلة سماها ضياء الخافقين، ودعا الأمة الفارسية إلى خلعه، وقويت دعوته الحرية في إيران، وأشتد السخط على الشاه ناصر الدين إلى أن قتل سنة الف وثماني مائة وست وتسعين من الميلاد، بيد فارسي أهوج، وقيل أن للأفغاني دخلا في التحريض على قتله.
وتولى بعده مظهر الدين، وأستمرت دعوة الحرية التي غرسها جمال الدين في إيران تنمو وتترعرع حتى آلت إلى إعلان الدستور الفارسي، وكان ذلك سنة ألف وتسعمائة وست ميلادي، وفيما هو بلندن ورد عليه كتاب آخر بتكرار دعوته فلبى الطلب وذهب إلى الأستانة سنة الف وثماني مائة واثنين وتسعين من الميلاد، وكانت هذه المرة الثانية لوروده هذه المدينة، والمرة الأولى كانت في عهد السلطان عبد العزيز كما تقدم بيانه، حيث دعاه السلطان عبد الحميد الثاني إلى جواره، وأغلب الظن أنه أراد أن يكون عونا له في الجامعة الإسلامية باستضافته فيلسوف الإسلام، وقد لبى جمال الدين دعوته، آملا أن يرشده إلى إصلاح الدولة العثمانية، لأن مقصده السياسي هو انهاض دولة إسلامية أيا كانت.
إلى مصاف الدول العزيزة القوية، فسار إلى الأستانه لتحقيق هذا المقصد، وحفه عبد الحميد الثاني بالرعاية والإكرام وانزله منزلا كريما في قصر بحي نشان طاش، من أفخم أحياء الأستانة، وأجرى عليه راتبا وافرا، قيل أنه خمس وسبعون ليرة عثمانية في الشهر، ومضت مدة وجمال الدين له عند السلطان منزلة عالية، ثم ما لبث أن تنكر له، وأساء به الظن، واستمع إلى الوشايات والدسائس، وكان الشيخ أبو الهدى الصيادي الذي نال الحظوة الكبرى عند مولاة يكره أن يظفر أحد بثقته فوشى بالأفغاني عند السلطان وأوغر عليه صدره فاحيط الأفغاني بالجواسيس يحصون عليه غدواته وروحاته، ويرقبون حركاته وسكناته.