×

خصوصية بيت الله الحرام

 

بقلم / محمـــد الدكـــروري

اعلموا أن القرآن الكريم لا يأمر بالصلاة بمجرد الصلاة، ولكنه يأمر بإقامتها،

وتعبير الإقامة له مدلول كبير، فهو فيه حضور القلب، وإعمال الفكر، وصفاء الروح،

وخشوع الجوارح، وطهارة النفس والبدن، وهو الجو الذي يتيح للمسلم أن يصل إلى غايته،

فيتسامى بالنفس فوق دوافع الجسد، ويحررها من أسرار شهواتها ويطهرها من الإثم والعدوان،

ويسد فيها منافذ الشيطان، ويكيف سلوكها، ويطبعه بطابع القرآن،

وإن إبراز ملامح التفاف المسلمين حول المقاصد الإسلامية،

ووحدة العقيدة والكلمة، هو هذا التوارد على الصلوات المكتوبة جماعة في المسجد حيث ترسخ العقيدة الإسلامية في القلوب، وتتعمق روح التعاون، وتتقوى عرى التكافل في حياة المسلمين، وتنبثق الأخلاق الكريمة وتنتشر، بل وتتزايد في ظل الإخاء، والتسامح، والتساوي الذي يظهر أنه لا عنصرية ولا طبقية في الإسلام، بل الجميع سواسية عند الله لا تفريق بينهم إلا بالتقوى، فقال صلى الله عليه وسلم “إن أكرمكم عند الله أتقاكم”

 

ولقد نوّر المسجد قلوبا، وعمر أفئدة، وأزال عنها غبش المعاصي، وانتزع منها جذور الزيغ والضلال، وجعل منها بحول الله تعالى وقوته أجيالا مؤمنة تقية نقية، مجاهدة صامدة، قانتة مطيعة، عمرت الأرض بالطاعة والخير، ونشرت الإسلام في آفاق واسعة ونواحى عديدة من المعمورة، فكانت قرآنا يمشي على الأرض، ينير للناس مناهج الحق، ويهديهم سبل الرشاد، وكانت رسل هداية تغزو القلوب بالإيمان، وتغرس فيها بذور التقوى، والإصلاح وغراس الطاعة كلها، من طاعة الله وطاعة رسوله وأولي الأمر، فمن المسجد الحرام انطلقت دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم تهز أرجاء مكة بقوة ألفاظها، وسلاسة معانيها، وقوة نفاذها في الأعماق تعرب عن صدق وإخلاص وأمانة، وتنبع من جنان عامر بالنور، دوّى بها النبى صلى الله عليه وسلم قائلا بعد حمد الله والثناء عليه بما هو أهله في أول خطبة خطبها بمكة حين دعا قومه “إن الرائد لا يكذب أهله، والله لو كذبت الناس جميعا ما كذبتكم،

 

ولو غررت الناس جميعا ما غررتكم، والله الذي لا إله إلا هو إني لرسول الله إليكم خاصة، وإلى الناس كافة، والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، ولتجزون بالإحسان إحسانا، وبالسوء سوءا، وإنها لجنة أبدا أو نار أبدا” وإن الله عز وجل أشار إلي مكة المكرمة في كتابه الكريم، وسماها أم القرى، وأنه تعالي يعاقب فيه على الهم بالسيئات وإن لم يفعلها، فيقول تعالي ” ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم” فتأمل كيف عدى فعل الإرادة هاهنا بالباء، ولا يقال أردت بكذا إلا لما ضمن معنى فعل هم فإنه يقال هممت بكذا، فتوعد من هم بأن يظلم فيه بأن يذيقه العذاب الأليم، وقال ابن كثير في تفسيره هذا من خصوصية الحرم أنه يعاقب البادي فيه الشر، إذا كان عازما عليه، وإن لم يوقعه، وقال عبد الله بن مسعود لو أن رجلا أراد فيه بإلحاد بظلم، أذاقه الله من العذاب الأليم، وأن الحسنة في الحرم مضاعفة والسيئة كذلك مضاعفة، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله.

 

أن السيئة في حرم الله وبلده أعظم جرما من مثلها في أي موضع آخر من الأرض، ويقول الإمام القرطبي رحمه الله إن الله سبحانه إذا عظم شيئا من جهة واحدة صارت له حرمة واحدة، وإذا عظمه من جهتين أو جهات صارت حرمته متعددة فيضاعف فيه العقاب بالعمل السيئ كما يضاعف الثواب بالعمل الصالح، فإن من أطاع الله في الشهر الحرام في البلد الحرام ليس ثوابه ثواب من أطاعه في الشهر الحلال في البلد الحرام، ومن أطاعه في الشهر الحلال في البلد الحرام ليس ثوابه ثواب من أطاعه في شهر حلال في بلد حلال، وذلك لأن الفاحشة إذا وقعت من إحدى نساء النبي صلى الله عليه وسلم يضاعف لها العذاب ضعفين بخلاف ما إذا وقعت من غيرهن من النساء، وكذلك انجذاب الأفئدة إليه، فمن أعظم ما يختص به البلد الحرام هو انجذاب الأفئدة، وهوى القلوب وانعطافها ومحبتها لهذا البلد الأمين، فالقلوب تهوى إليه، والأفئدة تميل إليه وهذا أثر دعوة إبراهيم عليه السلام.

 

فجذبه للقلوب أعظم من جذب المغناطيس للحديد، فكم أنفق في حب مكة من الأموال والأرواح، ورضي المسافر لها شوقا مفارقة الأهل والأحباب والأوطان، وتحمل في سفره صنوفا من العذاب والمشقة والهوان، والسر في ذلك أن جعل بيته الحرام مثابة للناس أى يثوبون إليه على تعاقب الأعوام من جميع الأقطار، ولا يقضون منه وطرا، بل كلما سافروا إليه ازدادوا شوقا ومحبة إليه، ولهذا أخبر سبحانه أنه مثابة للناس، أى يثوبون إليه على تعاقب الأعوام من جميع الأقطار، ولا يقضون منه وطرا، بل كلما ازدادوا له زيارة، إزدادوا له إشتياقا، وأنها بلد طاهر فيحرم دخولها على المشركين، وهو تطهير حسي من النجاسات والقذر وتطهير معنوي من كل ما يخالف الشرع لذلك يحرم دخول المشركين فيه لنجاستهم وعد

م طهارتهم.

إرسال التعليق

You May Have Missed