لا تشبع من طول صحبته

بقلم محمد الدكروري
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا،
من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله

أما بعد، يروي أسامة بن شريك حال القوم وهم في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم،
فيقول كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم كأن على رؤوسنا الرخم ما يتكلم منا متكلم إذ جاءه ناس من الأعراب فقالوا يا رسول الله أفتنا في كذا أفتنا في كذا فقال ” أيها الناس إن الله قد وضع عنكم الحرج إلا امرءا إقترض من عرض أخيه فذاك الذي حرج وهلك”
قالوا أفنتداوى يا رسول الله؟ قال نعم فإن الله لم ينزل داء إلا من أنزل له دواء غير داء واحد”

قالوا وما هو يا رسول االله؟ قال “الهرم” قالوا فأي الناس أحب إلى االله يا رسول االله؟ قال “أحب الناس إلى االله أحسنهم خلقا”

وهذا خلاف ما يقع من بعض الشباب من طلبة العلم اليوم، الذي يفتح على الشيخ أو المعلم أثناء الدرس دون حاجة فيسبق لسانه لسان معلمه، وجه إلى رجل من فلا ينتفع هو ولا يدع غيره ينتفع، وربما لا يسمع سؤالا يأهل العلم فيتطفل هو ويبادر إلى الجواب دون أن يحال السؤال إليه، وتقول العلماء في ذم فئة من هؤلاء المتجرئين، وقوم دأبهم التطفل في المناظرة،

ويستنكفون عن السؤال، لقصورهم فيه، ولم يبلغوا مبلغ أن يسألوا، وربما لا يفهمون أكثر ما جرى، ينتظرون فرصة أحد الخصمين على الآخر فيأخذون في الشغب والصياح، إيهاما منهم لمن حضر المجلس من العوام و أهل النقض أنهم من جملتهم، وهم صفر من صناعتهم، فهؤلاء لا يعدون في جمله أهل الجدل، وإن طلبة العلم الصفوة الصادقين براء من هذه الرذائل، وأبعد عن تلك النقائص.
فما وفق إنسان لتعظيم العلم عند الطلب إلا رزقه االله ذلك في طلابه ومن يأخذ العلم عنه غدا،

مثلما كان يفعل، فإذا وجدته يوقر العلماء، ويجلهم، فاعلم أنه صاحب هدي وسنة، وعن الإمام علي بن طالب قال ” من حق العالم عليك أن تسلم على القوم عامة وتخصه بالتحية وأن تجلس أمامه ولا تشيرن عنده بيديك ولا تغمز بعينيك غيره، ولا تقولن قال فلان خلاف قوله، ولا تغتابن عنده أحدا، ولا تطلبن عثرته وإن زل قبلت معذرته، وعليك أن توقره لله تعالى، وإن كانت له حاجة سبقت القوم إلى خدمته ولا تسار في مجلسه ولا تأخذ بثوبه ولا تلح عليه إذا كسل، ولا تشبع من طول صحبته فإنما هو كالنخلة تنتظر متى يسقط عليك منها شيء، ولقد جمع في هذه الوصية ما فيه كفاية، وقال الشافعي كنت أصفح الورق بين يدي مالك صفحا رفيقا، هيبة له لئلا يسمع وقعها.

وكان طلاب وكيع بن الجراح في مجلسه كأنهم في صلاة، فإن أنكر من أمرهم شيئا انتعل ودخل، وكان عبد الرحمن بن مهدي لا يتحدث في مجلسه ولا يبري فيه قلم ولا يتبسم أحد، فإن تحدث أو برى لبس نعليه ودخل؛وكذلك يروى عن بعض التابعين قال ضحك رجل في مجلس عبد الرحمن بن مهدي، فقال من ضحك، فأشاروا إلى رجل فقال تطلب العلم وأنت تضحك لا حدثتكم شهر،

ذكر من سيرهم وأيامهم وحسن صحبتهم، هذه قليل من كثير ممن رحمهم الله ورضي عنهم أجمعين، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال جاء رجل من بني عامر إلى النبي صلى الله عليه وسلم كان يداوي ويعالج فقال له يا محمد إنك تقول أشياء فهل لك أن أداويك؟ قال فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال له هل لك أن أريك آية؟ وعنده نخل وشجر، قال فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عذقا منها.

فأقبل إليه وهو يسجد ويرفع، ويسجد ويرفع رأسه حتى إنتهى إليه فقام بين يديه، ثم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ” ارجع إلى مكانك” فرجع إلى مكانه فقال والله لا أكذبك بشيء تقوله بعدها أبدا، ثم قال يا عامر بن صعصعة إني والله لا أكذبه بشيء يقوله بعدها أبدا قال والعذق النخلة، وقوله “وعنده نخل وشجر” ففيه دليل لمن قال بأن النخلة لا تدخل في الغالب
في مسمي الشجر، ولأن الصحابة الكرام لما سألهم الرسول صلي الله عليه وسلم، وقعوا في شجر البوادي فذهبت بهم أفكارهم إلى شجر البوادي وذهلوا عن النخلة فجعل كل منهم يفسرها بنوع من الأنواع، ولو كانت النخلة منه لكانت أول ما يرد على أذهانهم، والواو فيه تقتضي المغايرة، لكن القرآن والأثر يبطلان ذلك كما سبق بيانه.

شارك مع اصدقائك

عن محمد البحيري

شاهد أيضاً

وعلمك مالم تكن تعلم

عدد المشاهدات 5371 109 بقلم محمد الدكروري إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله …