كتبت د. ليلي الهمامي
نقترب يوما بعد يوم من شهر رمضان المعظم. بهذه المناسبة أردت أن أطرح مسألة هامة
في تقديري، هي جزء من الإستحقاق الثقافي، وفي علاقة بالشأن المجتمعي الذي يميزنا نحن،
كمنطقة عربية أو كشعوب عربية: مسألة الدراما والإستهلاك الدرامي.
الإقبال على تذوق الفنّ في رمضان من أهم التقاليد التي تميّز الشعوب العربية،
هذه التقاليد ايجابية جدا جدا، لأن خلال شهر رمضان، هنالك متابعة
وتعطش للعمل الدرامي وللانتاج الفني؛ موسيقى وانشاد وما شابه…
كما يعلم الجميع ممن يتابعونني أني لست من أنصار الرقابة،
ولست من أنصار التدخل البيروقراطي في الإبداع الفني،
لست من أنصار التقييد. لكن، أود أن أوضح مسألة ذات صلة بالحالة الحضارية التي نعبرها.
نحن في وضع هزيمة حضارية،،، بمعنى أنه لا يمكننا ان نسمح لأنفسنا بتسيب وميوعة
وانحلال يمكن للأمم الاخرى أن ترتضيه لنفسها، على الرغم ان المسألة قابلة لأكثر من نقاش.
لكن، بكل تأكيد نحن نحتاج لتنشئة جيل جديد قادر على تحمل المسؤولية، وتحمل الأمانة في علاقة بالقضية العربية، قضية الهوية، قضية التقدم وقضية الانعتاق وقضية السيادة وقضية الوحدة، قضية المصير الواحد؛ كل هذه القضايا لا تنفصل عن بعضها البعض…
في علاقة بالإبداع والدراما، أردت أن أشير إلى مسألة ؛ المفروض أن يكون القطاع العام، أي التلفازات الوطنية الرسمية، أو منظومة الإعلام الوطني في كل البلدان العربية، أن تكون وأن تقوم مقام المُعَدِّل لاتجاهات الانتاج الدرامي في رمضان. بمعنى أن يكون الإنتاج هادفا، بمعنى أن يكون الإنتاج حول القضايا الكبرى، بكل تأكيد، مع اشتراط البعد الجمالي، مع اشتراط الاخراج والبناء الدرامي المحكم والجيد مع اضافة، وبكل تاكيد، السردية الشخصية والفردية. لكن الأهم، تبقى القضايا الكبرى التي من شأنها أن تحرك الوازع الوطني والانساني والتي من شأنها ان تحفز أيضا الأجيال الصاعدة -كما يقال- نحو مهامّ المستقبل.
هذا لا يمسّ من حرية التعبير في علاقة بالإبداع. القطاع الخاص حرّ ويمكن أن يكون تجاريا، وهو تجاري بالفعل، يغرق في السفاسف، وأحيانا، -وهذا ما أستحضره في ذهني أحيانا-، حيث يكون مضرا، كونه يزرع في العقول ويشرّط الخلفيات، ينشر التفاهات ويزرع المسلكيات الخطيرة، بل يدفع نحو مواقف حياتية مدمّرة.
مهما كانت طبيعه الاخراج مهما كانت جودة بناء السيناريو والحرص على التشويق، وراء كل هذا هنالك رسالة، وراء كل هذا ثمه تشريط عن بعد للمسلكيات…
لست مع الرقابة، اعود واقول: القطاع الخاص له ان ينتج لكن،،، -وهنا تكمن بيت القصيد-، لكن، غير الطبيعي وغير المقبول ان يكون القطاع العام في مجال الثقافة، ان يكون القطاع العام في مجال الانتاج الدرامي غائبا او مشلولا او دون المستوى الاستيطيقي ودون المستوى ايضا الفكري المنوط بعهدته…
ما نشكوه في العالم العربي، هو بالضبط تدمير القطاع العام بطريقة متعمَّدة، لفسح المجال للقطاع الخاص. وقناعتي انه في الامكان أن توجَد منافسة، وأن تكون المنافسة مثمرة للتقدم على الجبهتين: جبهة راس المال الخاص، وجبهة القطاع العام الذي يمثل الدولة، والذي يمثل القاسم المشترك بين مختلف مكونات المجتمع الواحد.
أشدّد على هذا، أنه علينا أن ننتبه الى اننا نحتاج لبوصله في علاقة بالابداع الفني، نحتاج لبوصلة علاقة بالانتاج الدرامي، والا نخبط خبطة عشواء… ثمة خبطة عشواء، ثمة ضبابية حتى لدى النخبة في فهم اختلاف الادوار وفي فهم السياق التاريخي وما يمليه، وما يقتضيه منا، نحن كعرب، من يقظة ومن استنفار لغريزة البقاء عندنا… غريزه البقاء نذود عنها بطرق عدة، منها الفكر ومنها الثقافه التي تحفظ هويتنا والتي من شانها ايضا ان تثقّف شعوبنا، والتي من شانها ايضا ان تؤطر حركة النمو لدى ناشئتنا. هذه هي الغايه الأساسية والاولى من وراء استثمار هذه المناسبات الدينية وهذه المحطات التي تدعون لان نتعاطى بكل جدية مع هذه المواسم، تعاطي منتج من شانه ان يتقدم بنا نحو ما هو ارقى.
هذا هو معنى البناء المتدرج وهذا هو معنى التقدم القطاعي الذي كنت ولا ازال ادعو اليه.
إن شريطا او مسلسلا له تاثير سريع وعميق ومعنى اعظم من اكبر المجلدات تعقيدا وتاسيسا نظريا ومنهجيا. والتاثير على الجماهير الواسعة يتم من خلال الاعلام، من خلال الميديا وشبكات التواصل الاجتماعي وخاصة من خلال المسلسلات والاشرطة السينمائية.
الانتاج الدرامي سريع التأثير وواسع. لذلك اعتبرت ان المسالة خطيرة؛ لا نحتاج لتمجيد المخدرات وظاهرة الادمان بانواعها، لا نحتاج لتمجيد التفاهة، لا نحتاج لتمجيد المجتمع الاستهلاكي ولا لتشييء الانسان وتبعيض كل ما له علاقه بالقيم؛ أن نفكك منظومة القيم في انتاج درامي يفصل بين الخير والشر بطريقة فظيعة ويؤسس لتداخل من شانه ان يدفع، بالفعل، اوسع الجماهير، وخاصة الشباب، إلى مزيد من الضياع والى مزيد من التيه.
أعتقد ان المسالة جديرة بان ننظر فيها وأن نعيرها الإهتمام الذي تستحقه.
د.
ليلى الهمامي.
صدى – مصر من مصر لكل العالم