إياكم والعقلية الخرافية
بقلم / محمـــد الدكـــروري
الحمد لله خلق الخلق فأتقن وأحكم، وفضّل بني آدم على كثير ممن خلق وكرّم، أحمده سبحانه حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، يليق بجلاله الأعظم، وأشكره وأثني عليه على ما تفضل وأنعم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الأعز الأكرم، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله المبعوث بالشرع المطهر والدين الأقوم، صلى الله وبارك عليه وعلى آله وصحبه وسلم، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد اعلموا يرحمكم الله كما جاء في المصادر الإسلامية الكثير عن عقلية الخرافة، وهي العقلية التي لا تفرق بين المجالات المختلفة، ولا تقيم الدليل المناسب لإثبات القضية محل النظر، ولا تتبع منهجا واضحا محددا من قبل في التعامل مع الحقائق، ولا تعتمد مصادر للمعرفة، وهذه العقلية لها مناهج متعددة تختلف جميعها عن المنهج العلمي، وهذه المناهج المختلفة.
تدعو إلى الإنتحار أو الإنبهار أو الإجترار أو الإنحسار أو الإغترار، وكلها مناهج مرفوضة، فمنهج الإنتحار هو الذى يؤدي إلى التكفير المؤدي في نهاية الطريق إلى التدمير، ومنهج الإنبهار بالآخر مآله غالبا التعدي على مصادر الشرع من كل غير متخصص، فيقع بين الإفراط والتفريط حتى يخرج علينا من ينكر الإجماع، أو يخرج عن مقتضيات اللغة، أو عن هوية الإسلام، أو يحول الإسلام إلى لاهوت التحرر أو لاهوت العولمة وهذا أيضا منهج مرفوض، ومنهج الإنحسار الإنعزالي الذي يؤدي إلى الفرار من الواقع الذي يشبه الفرار يوم الزحف منهج مرفوض أيضا، بإعتبار أن مخالطة الناس والصبر عليهم خير عند الله من العزلة، أما منهج الإجترار فإنه يتمثل في التمسك بمسائل التراث تمسكا يحاكي صورتها دون الوقوف عند مناهج التراث والتجريد أمامها.
حتى يمكن تطويرها إن إحتاجت إلى تطوير، أو الإستفادة بها حتى على حالها إن كانت تصلح لذلك، فهو منهج ماضوي إن صح التعبير يريد بإصرار أن نتغاضى عن واقعنا، وأن نستمر في واقع قد تغيرت عليه الحياة، حتى رأينا كثيرا من الناس يخرجون من دين الله أفواجا لظنهم أن هذا هو دين الله، وأن دين الله بذلك من طبيعته ألا يصلح لزماننا هذا، وهو وهم خاطئ ومخطئ، خاطئ لأنه مخالف للحق، ومخطئ لأنه مخالف للواقع، أما منهج الإغترار فنراه عند كثير من خارج الدراسات الدينية الأكاديمية، الذين أقحموا أنفسهم فى مجال الكلام في الشرع الشريف تشهيا لإصلاح الدين بزعمهم تارة، أو للإدلاء بآرائهم التي يرونها مهمة تارة أخرى، وقد نراه أيضا عند الدارسين للدراسات الشرعية في مراحلها الأولى، مع ظن لا يتناسب مع ظن العلماء الراسخين في العلم.
حيث يعتقدون أن لهم الحق فى تجديد الدين غافلين عن قلة بضاعتهم الشرعية من ناحية، والمسافات الشاسعة بينهم وبين إدراك الواقع من ناحية أخرى، واعلموا يرحمكم الله كما جاء في المصادر الإسلامية أن التفكير حتى يكون فاعلا لا بد أن ينبني على العلم والمعرفة، ومن هنا نفهم التوجيه الإلهي في مفتتح وحيه إلى نبيه بقوله تعالى ” اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم ” وكما يقول الله تعالى ” قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب ” ويقول الطاهر ابن عاشور الذين إتصفوا بصفة العلم، وليس المقصود الذين علموا شيئا معينا، وقد دل على أن المراد الذين إتصفوا بصفة العلم قوله عقبه “إنما يتذكر أولوا الألباب” أي أهل العقول والعقل والعلم مترادفان.
أي لا يستوي الذين لهم علم فهم يدركون حقائق الأشياء على ما هي عليه وتجري أعمالهم على حسب علمهم، مع الذين لا يعلمون فلا يدركون الأشياء على ما هي عليه، بل تختلط عليهم الحقائق وتجري أعمالهم على غير إنتظام، ويوضح النبي صلى الله عليه وسلم أن العلم ميراث الأنبياء، وأن الأنبياء ما أتوا إلا لنشر الفكر الإيجابي في كل صوره العقدية والتعبدية والإجتماعية وغيرها، ونزع الأفكار السلبية في كل مستوياتها، ومن أخذ بالعلم فكأنما يقوم بهذه المهم
ة الشريفة.















