التسول فى الشوارع حين تتحول براءة الأطفال إلى وسيلة للكسب

 

 

بقلم: أيمن بحر 

 

لم يعد مشهد الأطفال المنتشرين فى الشوارع والإشارات المرورية وأمام المولات والمناطق الحيوية

مشهدا عابرا يمكن تجاهله أو التعامل معه باعتباره مجرد صورة من صور الفقر والاحتياج.

 

طفل صغير يقف وسط السيارات فى حر شديد وطفلة تطرق أبواب المحلات

وشاب يجلس على الرصيف مادا يده للمارة ومشاهد أخرى أصبحت تتكرر بصورة يومية

حتى بات البعض يمر أمامها دون أن يتوقف للحظة ليسأل نفسه

كيف وصل هؤلاء الأطفال إلى الشارع ومن المسؤول عن وجودهم هناك.

 

السؤال الأهم ليس لماذا يطلب الطفل المال ولكن كيف تحول الطفل

من إنسان يحتاج إلى التعليم والرعاية والحماية إلى وسيلة للحصول على المال.

الفقر مشكلة اجتماعية واقتصادية تحتاج إلى حلول حقيقية لكن تحويل الفقر

إلى مهنة يتم توريثها للأطفال يمثل كارثة أكبر من مجرد الحاجة المادية

فالطفل الذى كان من المفترض أن يحمل كتابه وقلمه ويذهب إلى المدرسة أصبح يحمل جملة يحفظها عن ظهر قلب حاجة لله يا أستاذ

والأخطر من ذلك أن بعض الأطفال يتم تدريبهم منذ الصغر على كيفية الوقوف في الأماكن المزدحمة وكيفية استجداء المارة وكيفية اختيار الأشخاص الذين يمكن أن يمنحوهم المال وكيفية استغلال ملامح الطفولة والضعف للحصول على أكبر قدر ممكن من الأموال

وهنا تتحول القضية من فقر واحتياج إلى استغلال حقيقى لطفولة بريئة

الطفل في هذه الحالة ليس مجرما ولا مسؤولا عن الظروف التى وضعته فى الشارع بل هو فى كثير من الحالات ضحية لأسرة عاجزة عن توفير احتياجاته أو لأشخاص يستغلون الأطفال لتحقيق مكاسب مادية أو لبيئة اجتماعية لم تنجح في توفير الحماية والرعاية اللازمة له

مدينة نصر وغيرها من المناطق الحيوية في القاهرة تشهد بصورة متكررة وجود أطفال أمام المولات وعند الإشارات وبين السيارات وأمام المحلات وهو مشهد لا ينبغي أن يتحول إلى أمر طبيعي اعتاد عليه المجتمع

فالطفل الذي يقف بين السيارات لا يعرض نفسه للخطر فقط بل يتعرض أيضا لخطر الاستغلال والعنف والانحراف وترك التعليم وضياع سنوات مهمة من عمره يفترض أن تكون مرحلة لبناء شخصيته ومستقبله

والتسول لا يقتصر على الأطفال وحدهم فهناك شباب قادرون على العمل وهناك حالات لكبار سن ومرضى يحتاجون بالفعل إلى المساعدة والرعاية لكن انتشار التسول بصورة عشوائية يجعل المواطن في كثير من الأحيان عاجزا عن التمييز بين المحتاج الحقيقي ومن اتخذ التسول وسيلة دائمة للكسب

وهنا تظهر مشكلة أخرى وهي أن انتشار الظاهرة يهدد قيمة التكافل نفسها لأن المواطن عندما يتعرض بصورة مستمرة لمواقف التسول قد يفقد الثقة حتى في الحالات الإنسانية الحقيقية

مواجهة الظاهرة لا يمكن أن تكون بمجرد إبعاد المتسولين من الشوارع ثم عودتهم من جديد في اليوم التالي بل تحتاج إلى منظومة متكاملة تبدأ بحماية الطفل وتنتهي بمعالجة الأسباب التي دفعته إلى الشارع

المطلوب تشديد الرقابة على المناطق التي تشهد انتشارا للتسول وخاصة الإشارات والمناطق التجارية والمولات والمناطق السياحية

والمطلوب أيضا التعامل مع الأطفال باعتبارهم ضحايا يحتاجون إلى الحماية والرعاية وإعادة دمجهم في التعليم والمجتمع وليس باعتبارهم مجرد مخالفين يتم إبعادهم من مكان إلى آخر

كما يجب مواجهة كل من يستغل الأطفال في التسول ومحاسبته وفقا للقانون إذا ثبت استغلاله للطفل سواء كان شخصا غريبا أو أحد أفراد الأسرة

وفي الوقت نفسه لا بد من توفير برامج اجتماعية حقيقية للأسر الأكثر احتياجا حتى لا يصبح الطفل مصدرا للدخل ولا تتحول ظروف الأسرة الاقتصادية إلى سبب في حرمانه من التعليم والأمان

كما أن للمواطن دورا مهما في مواجهة الظاهرة فالمساعدة الإنسانية يجب أن تصل إلى مستحقيها بطريقة تحمي الطفل ولا تشجع على استغلاله في الشوارع

إن إعطاء المال لطفل يقف عند إشارة مرورية قد يبدو للبعض مساعدة بسيطة لكنه في بعض الحالات يمكن أن يؤدي إلى استمرار وجود الطفل في الشارع وتشجيع من يستغله على إبقائه هناك

القضية في النهاية ليست قضية جنيه أو جنيهين وليست مجرد مشهد مزعج في شارع مزدحم بل قضية مستقبل طفل قد يتحول خلال سنوات قليلة من ضحية للتسول إلى شخص فقد علاقته بالتعليم والعمل والاستقرار

كل طفل يقف في الشارع يحمل قصة يجب أن نعرفها وكل طفل يتم استغلاله يمثل إنذارا للمجتمع بأن هناك خللا يحتاج إلى تدخل حقيقي

الطفل مكانه المدرسة ومكانه الأسرة الآمنة ومكانه الملعب ومكانه بين أقرانه وليس بين السيارات أو على الأرصفة أو أمام أبواب المحلات يطلب المال من المارة

السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم هو هل سنظل نتعامل مع التسول باعتباره مشهدا اعتدنا عليه أم سنبدأ في مواجهة جذور المشكلة وحماية الأطفال قبل أن يتحول الشارع إلى مدرسة بديلة لهم

إنقاذ طفل من التسول ليس مجرد إنقاذه من يوم قاس في الشارع بل قد يكون إنقاذا لمستقبله بالكامل

إرسال التعليق

You May Have Missed