العدل هو أساس البقاء والأنتصار
بقلم / محمـــد الدكـــروري
ذكرت المصادر الإسلامية الكثير عن الرجال والرجولة وعن الرجل المائة،
والرجل المائة يرى بعض شباب الإسلام قد زلت به الأقدام فأصبح يرى المجد في رنة نغم
أو ركلة قدم أو شطحة قلم أو هزة جسم، ومضى بعضهم ينسلخ من دينه
ويتجرد عن دثار التقوى ليلبس ما يزري به من ملبوسات أعدائه،
فتراه يحاكيهم في حركاتهم ويشابههم في ملابسهم ويشاكلهم في ترهاتهم وسخافاتهم،
فله مثل السوء كالذباب يسقط فوق الخراب فتبا لعقول لا تعي وقلوب لا ترعوي، فمضى الرجل المائة يتحسس الداء الدفين بهم والكيد المتين عليهم والغزو اللعين ضدهم، فاستشعر عظم المسئولية الملقاة على أكتاف المصلحين والأمانة المعلقة بذمم الدعاة المخلصين فنزل بكل همة عالية وعزيمة وثابة إلى ميادين الشباب لينتشلهم مما هم فيه من أسن السيئات وقحط الخطيئات.
فهم غرقى وهو منقذهم بإذن الله، وهم مرضى وهو طبيبهم بحول الله، وهم غفلى وهو نذيرهم بين يدي عذاب الله، وهم سكرى بالشهوة والغفلة وهو موقضهم مما يحاط بهم من مهلكات، ويحاك ضدهم من مؤامرات و مؤتمرات، فيا أخي المسلم أتقن العمل فالناقد بصير، فإن الأتقان هو طريق الفلاح في الدنيا والآخرة، فالأتقان في العدل هو أساس البقاء والأنتصار فيقول صلي الله عليه وسلم “والله لو فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها” ومثله إتقان القول فهو أساس السمو والرقي بأخلاق العبد المؤمن حتى لا يلقى بقوله في النار سبعين خريفا، والعمل بلا أتقان مردود على صاحبه، وكما أن الإتقان هو سبب التفوق ايضا في الدنيا ولو نظرت إلى الوقع لوجدت الأمثلة شاهدة على ذلك، واسأل نفسك كيف استطاعت اليابان أن تخرج من المحرقة النووية مرة أخرى.
وكيف إستطاع اليهود التحكم في كل قرارات العالم بعد إن كانت أمة مشردة، إنه الإتقان فعجبا لصبر الكافر وقوة تحمله وعجبا لضعف المؤمن، ومن هنا نعلم أن سبب تخلفنا إن صح التعبير في بعض مجالات الحياة هو فقدان روح الإخلاص والإتقان في العمل، فنحن نملك كل ما يملكه اولئك القوم من خيرات وطاقات وقدرات ولكنه التفريط في الإتقان وإنتشار الفوضى والتكاسل، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال “من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه” رواه البخاري، والزور هو كل باطل في كل أنواع الأعمال، فإن من أسباب رقي الإنسان وتقدمه ونجاحه هو إتقانه لعمله، والحرص على الإتيان به على الشكل المرضي والمطلوب، وبأفضل الوسائل المتاحة، والإنسان بفطرته السليمة يحب العمل المتقن.
ويبغض ضده، ولله المثل الأعلى، فالله سبحانه وتعالى خلق كل شيء بإتقان وإحكام، وأخبر بذلك عن نفسه سبحانه، وإتقان العمل مطلوب في كل شيء، وأولى الأعمال بالإتقان هو العمل الذي يُعرض على رب العالمين، ونحن نعلم أنه إذا قيل لأحد الموظفين عملك هذا سيعرض على المسؤول الفلاني، فسيبذل قصارى جهده في إخراجه في أعلى معايير الدقة، فكيف ولله المثل الأعلى إذا كان العمل سيعرض على رب العالمين؟ أليس حريا بنا أن نكون فيه أكثر إتقانا؟ لا سيما وقد دلت النصوص على أن الله تعالى يحب العمل المتقن ولو في أيسر الأمور فهو من أسباب الحصول على محبة الله تعالى، فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم من حديث السيدة عائشة رضي الله عنها أنه قال ” إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه” ولذا حث الإسلام على الإتقان في جميع العبادات.
فعلى سبيل المثال رغبنا في إتقان الوضوء، حتى في المكاره، كالبرد الذي توجد فيه المشقة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ قالوا بلى يا رسول الله، قال إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط” رواه مسلم، وكما حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإخلال ولو بركن واحد من أركان الوضوء، فعن عبدالله بن عمرو قال رجعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، حتى إذا كنا بماء بالطريق تعجل قوم عند العصر، فتوضؤوا وهم عجال، فانتهينا إليهم وأعقابهم تلوح لم يمسها الماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” ويل للأعقاب من النار أسبغوا الوضوء” رواه البخاري ومسلم، وهذا يلفت عناية المسلم إلى الحرص على الإتقان، وأنه في غاية الأهمية.
وكذلك الأمر بالنسبة للصلاة، فنجد أن النبي صلي الله عليه وسلم يأمر ذلك الأعرابي أن يعيد الصلاة ثلاث مرات لأنه لم يتقن أداءها، فكان صلي الله عليه وسلم يقول له “ارجع فصلي، فإنك لم تصلي” رواه البخاري ومسلم، وكذلك فإن في الحج، لابد أن يكون خاليا من الرفث والجدال والفسوق ليكون حجا مبرورا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ” مَن أتى هذا البيت، فلم يرفث، ولم يفسق، رجع كما ولدته أمه
” رواه مسلم.














