التوقعات الافتراضية

كتب د.مدحت نافع

كان ظهور نظرية التوقعات الرشيدة عام 1961 على يد الاقتصادي الأمريكي “جون موث” بمثابة ثورة فكرية أدت إلى حدوث تطورات هامة في التحليل الاقتصادي. وقد حاولت تلك النظرية أن توضّح كيف تستطيع المؤسسات الاقتصادية أن تحدد توقعاتها بشكل نظري، ثم تطابق ذلك مع الواقع، استناداً إلى الخبرات السابقة والمعلومات المتاحة لدى تلك المؤسسات حول الظاهرة محل الدراسة.

قبل ذلك التاريخ كان الاقتصاديون يبنون توقعاتهم للمستقبل استناداً إلى الخبرة السابقة فقط، فإذا أردت –مثلاً-أن تتوقع معدل التضخم السنوي للعام القادم، فإن تقديره يتم بالرجوع إلى متوسط معدلات التضخم للسنوات السابقة، هذه النظرة للتوقعات كان يطلق عليها “التوقعات المعدّلة”. كذلك كان هناك نوع آخر من التوقعات يطلق عليه “التوقعات الانحدارية”، وهذه تشمل التوقعات التي تعتمد على الخبرات السابقة أو القيم التاريخية للمتغير محل الدراسة، فضلاً عن المشاهدات عن بعض المتغيرات الأخرى.

ويعد الاقتصادي الأمريكي “روبرت لوكاس” الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1995 صاحب الإسهام البارز في ظهور ما يعرف بـ “مدرسة التوقعات الرشيدة” في ثمانينات القرن العشرين، اذ أسس لمفهوم رشادة المتعاملين الاقتصاديين، ومدى تأثير ذلك على سلوك الظواهر والمتغيرات الاقتصادية. وقد أكد “لوكاس” في أبحاثه على ضرورة مراعاة صانعي السياسة الاقتصادية لنظرة الأفراد الى المستقبل، ومن ثم اتجاه حركة وسلوك المتغيرات الاقتصادية تبعاً لما هو سائد في الوقت الراهن، باعتبار أن المتعاملين الاقتصاديين يتمتعون بالرشادة

والعقلانية التي تمكنهم من التحوّط للظروف المستقبلية. وعليه فإن السياسة الاقتصادية يجب أن تنطلق من الواقع السائد في النشاط الاقتصادي والذي يؤسس للمستقبل، ومن ثم تبنى عليه مستقبل العلاقات بين المتغيرات الاقتصادية بما يؤدي إلى التوصل إلى سياسة اقتصادية تساهم في تحسين النشاط الاقتصادي سواء زيادة الناتج، أو التشغيل، أو مكافحة التضخم…

اليوم وبعد عقود من ظهور نظرية التوقعات الرشيدة وزيادة مساهمة الاقتصاد السلوكي في كثير من أوجه التحليل الاقتصادي، أصبح من الضروري أن ننظر إلى سيطرة توقعات الأفراد على مستقبل الظواهر الاقتصادية بعين جديدة تستلهم العبر من اختلاف تلقي الاقتصادات الحديثة للأزمات وسرعة وآلية تجاوزها عن سلوك ذات الأزمات في الماضي، وبعيداً عن توقعات أمهر الاقتصاديين.

تناولت في مقالات سابقة التفاوت الواضح بين تعامل العالم مع الأزمة المالية عام 2008 (مثلاً) وتعامله مع أزمة الكساد الكبير نهاية العقد الثالث من القرن الماضي. كان المحللون قد وصفوا أزمة 2008 بأنها أخطر وأكبر ضرراً من الكساد الكبير، وأن الدورة الاقتصادية التي سوف يمر بها العالم لابد وأن تكون أطول وأعمق أثراً من سابقاتها طوال أكثر من قرن من الزمان. لكن الأزمة مرت بتكلفة أقل من كل التوقعات، وخلال فترة زمنية قصيرة نسبياً رأيت حينها أن السبب في ذلك هو كفاءة وسرعة تدفق المعلومات في النظام المالي العالمي الجديد، بشكل يختلف كثيراً عن عصر ما قبل اختراع الحاسب الآلي والتواصل عبر الانترنت.

اليوم ومع تواتر عدد كبير من الأزمات الاقتصادية خلال فترة زمنية قصيرة، ومع شيوع حالة -ربما تكون غير مسبوقة- من عدم اليقين في مختلف الأسواق، أرى من الضرورة بمكان أن ننظر إلى توقعات الأفراد والمؤسسات من زاوية جديدة. توقعات الفرد الاقتصادي باتت تتشكل في عالم افتراضي بحت، حتى أن مختلف عناصر الأزمة تنكشف في تقارير ونقاشات العالم الافتراضي، وتتم كافة فصول الأزمة في عالم موازي، غالباً ما تحكمه صورة متشائمة يسيطر عليها المزاج العام السلبي، الناتج عن توالي الأزمات، وكبت الطلب وحرية الانتقال خلال عام الإغلاق الأكبر على خلفية كورونا وما تلاها من تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية.

في أزمة الكساد الكبير عام 1929 وما بعدها لم يكن هناك عالم افتراضي، ولم تكن المعلومات تتدفق إلا بصعوبة وبطء عبر وسائل تقليدية محدودة لصناعة الأنباء، وكانت معدلات البطالة وحالات الإفلاس وكساد الأسواق وغيرها من مظاهر وتداعيات للأزمة تنشأ وتتطور تدريجياً ككرة الثلج، ولم يدرك معظم الناس حينها حجم الأزمة إلا بعد أن اكتملت بالفعل كافة فصولها على أرض الواقع. وإذا أعملنا نظرية التوقعات الرشيدة على الكائن الاقتصادي حينئذ، فإنه ينشئ تصوراً للمستقبل تقل فيه المعلومات وتنعدم معه فرص التواصل المباشر الفعّال بين أطراف السوق إلا في نطاق جغرافي محدود، كأهل قرية أو حى سكني أو مدينة على أوسع تقدير. أما أزمات ما بعد عصر الإنترنت فإن الكائن الاقتصادي يمكن أن يتعامل معها ببناء عشرات النماذج لسيناريوهات مستقبلية من واقع آلاف المصادر من المعلومات. صحيح أن كثرة البيانات تعني مزيداً من الضجيج ومعاملات الخطأ، لكن هذا الخطأ ربما يكون مفيداً في تجاوز الأزمات…كيف ذلك؟!

للإجابة على السؤال السابق كان علىّ أن أقترح مصطلحاً جديداً، أرجو أن يتحملني القارئ في استحداثه وتبسيط شرحه. كان علىّ استلهام ما أسميه “التوقعات الافتراضية” أو virtual expectations والتي تعكس رؤية الكائن الاقتصادي للمستقبل داخل إطار افتراضي متكامل تتطور فيه كافة فصول ومراحل الأزمة وأسوأ تجلياتها وسيناريوهاتها المستقبلية تحت سمع وبصر الجميع. التوقعات الافتراضية المتشائمة والتي تحركها معلومات شديدة السلبية تبني الكثير من البدائل لمستقبل كئيب، حتى إن بعضها يقترب من حد توقّع يوم القيامة وفناء البشرية بشكل شبه منتظم! فإذا تمثّلنا النماذج المختلفة التي يبنيها الناس للمستقبل في شكل توزيع احتمالي طبيعي، فإن اهتمام غالبية الناس (وهم غير مختصين) سوف تتجه إلى النماذج المتطرفة (سلباً وإيجاباً) لما فيها من إثارة وما تشبعه من رغبات مكبوتة للتنفيس عن حالات الاكتئاب وتراجع المراكز الاقتصادية، إما بالتعايش معها وتقبلها لأن القادم أسوأ كثيراً، أو بالصبر عليها لأن القادم أفضل كثيراً…لكن رفاهية التفاؤل المفرط ينعم بها ويرفل فيها من تميل الظروف الاقتصادية بكفته وهم القلة، أما غالبية الناس فهم ضحايا الأزمات ووقودها الذي يحترق بكثافة كى تمر الأزمة سريعاً، ومن المتوقع أن ينحازوا إلى النماذج شديدة السلبية في تصور المستقبل.

إلى هنا عزيزى القارئ لا يمكن أن نفهم لماذا وكيف تمر الأزمة إذن بتداعيات سلبية أقل من توقعات المختصين، طالما أن توقعات معظم الناس للمستقبل شديدة السلبية! الأمر يحتاج إلى فهم للجانب النفسي والسلوكي للكائن البشري، فإذا أقام الفرد لنفسه مستقبلاً شديد الإظلام في واقعه الافتراضي، وأخذ يخط بيديه مزامير البؤس والندب والشقاء ونعي الذات على صفحاته للتواصل الاجتماعي مع محيطه الممتد من البشر، وأخذ يؤثر ويتأثر في محيطه الاجتماعي بموجات عنيفة من التشاؤم وتقدير أسوأ السيناريوهات، فإنه تتطور لديه بمرور الوقت مناعة من نوع خاص، تجعله أكثر صلابة في مواجهة الاحتمالات السيئة في عالم الواقع.

مثلاً إذا أقمت لنفسك نموذجاً لمستقبل بائس ترتفع فيه الأسعار بشكل جنوني، ويتم فيه تسريحك عن العمل أو تخفيض راتبك، واحاطت بك مخاف عدوى الجائحة واحتمال إصابتك وكل أفراد عائلتك بأسوأ أنواع طفراتها! ثم أخذت تنسج حول ذلك المآل الافتراضي البائس قصصاً ونقاشات مع قائمة أصدقائك ومعارفك والمتواصلين معك عبر الانترنت … فأنت أيها الكائن الاستثنائي الذي تجاوز كل تلك العقبات افتراضياً يتكون لديك رصيد من المهارات والخبرات والتجارب للتعامل مع واقع أقل بؤساً في العالم الحقيقي، وتنمو لديك توقعات أكثر تفاؤلاً بشأن المستقبل على أرض الواقع. تماماً مثل المتدرب على الطيران في غرف مغلقة باستخدام نماذج محاكاة آلية للطيران، ربما لن يكون ببراعة من يختبر الأزمات بشكل طبيعي، لكنه بالتأكيد أفضل وأمهر من ذلك الذي تصفعه الأزمات فجأة دون تأهب أو استعداد.

هل هذه دعوة إذن إلى مزيد من التشاؤم والسوداوية على مواقع التواصل؟ إطلاقاً… ولكنها محاولة لتفسير آلية هضم العالم الحديث لأزمات الاقتصاد بمعدل زمني وتكاليف أقل من المتوقع، وفرصة للبحث في كيفية تطويع ذلك العالم الافتراضي متعدد الأبعاد للتعامل مع الأزمات الاقتصادية المتجددة بخبرات أعمق وتوقعات أكثر دقة ورشادة.

You May Have Missed