حين تتحول شعارات الحرية إلى طريق للفوضى

 

 

كتب/ أيمن بحر

 

فى ثمانينيات القرن الماضى كانت فكرة الديمقراطية بالنسبة لكثيرين فى العالم العربي

أشبه بفجر ينتظر أن يولد وكانت الحرية حلما كبيرا يطارد العقول والقلوب

كما يطارد العطشان قطرة الماء في صحراء قاحلة.

 

فى تلك السنوات كان الاعتقاد السائد بين قطاعات واسعة من الناس أن الرياح

التى ستحمل التغيير ستأتى من الغرب وأن الولايات المتحدة وحلفاءها

سيقفون إلى جانب الشعوب فى مواجهة الأنظمة الاستبدادية التى حكمت المنطقة لعقود طويلة.

 

بل إن بعض الأصوات كانت ترى أن التدخل الخارجى قد يكون الطريق الأقصر للخلاص

وأن سقوط تلك الأنظمة قد يفتح الباب أمام عصر جديد من الديمقراطية والازدهار

وكانت الصورة تبدو فى تلك اللحظة بسيطة ومباشرة وكأن العالم ينقسم إلى معسكر للحرية ومعسكر للاستبداد.

 

لكن الزمن كفيل دائما بكشف ما تخفيه الشعارات وما تحجبه العناوين البراقة فقد مرت السنوات وسقطت أنظمة بالفعل وشهدت بعض الدول تحولات سياسية كبرى وكان الاعتقاد أن تلك اللحظة ستكون بداية الطريق نحو مستقبل أفضل

غير أن الواقع الذى ظهر بعد ذلك كان أكثر تعقيدا مما تخيله الكثيرون فقد دخلت بعض الدول فى دوامات من الفوضى السياسية والاضطرابات الأمنية وتراجعت أوضاع اقتصادية واجتماعية كانت أصلا تعاني من الهشاشة فبدت الأحلام التى رافقت تلك اللحظات وكأنها تحولت إلى غبار تذروه الرياح

عند تلك النقطة بدأ كثيرون يعيدون النظر فى الصورة التى تشكلت فى أذهانهم لسنوات طويلة فقد اكتشفوا أن الصراع فى العالم لا يتحرك دائما بدافع نشر القيم والمبادئ كما يقال في الخطابات الرسمية بل تحكمه فى الغالب حسابات المصالح والنفوذ والتوازنات الدولية

وهكذا بدأت تتكشف حقيقة أكثر تعقيدا مفادها أن القوى الكبرى لا تقدم نفسها كما هى بل تقدم خطابا سياسيا مغلفا بمفردات الحرية والديمقراطية بينما تتحرك على الأرض وفق معادلات القوة والمصلحة

وعندما تنظر الشعوب التي عاشت تلك التجارب إلى الوراء فإنها تجد أن الشعارات التى بدت يوما وكأنها طريق الخلاص لم تكن دائما كذلك وأن الكلمات التى رفعت باسم الحرية قد تتحول فى بعض اللحظات إلى مقدمة لفصول جديدة من الصراع وعدم الاستقرار

ولذلك لم يعد من السهل اليوم إقناع الشعوب بالعبارات التي كانت تتردد فى الماضى حين كانت بعض القوى الدولية تعلن أنها جاءت لتمنح الآخرين الحرية والسلام لأن التجارب التي مرت بها المنطقة خلال العقود الماضية جعلت الناس أكثر حذرا وأكثر ميلا إلى قراءة ما وراء الكلمات

فالتاريخ علم البشرية أن الشعارات مهما بدت جميلة لا تكفي وحدها للحكم على النوايا وأن السلام الحقيقي لا يولد من الكلمات وحدها بل من سياسات عادلة تحترم سيادة الدول وحقوق الشعوب وتدرك أن استقرار العالم لا يمكن أن يبنى على القوة وحدها بل على العدالة والتوازن أيضا

وفي عالم امتلأ بالصراعات والتجارب القاسية أصبح السؤال الذي تطرحه الشعوب اليوم أكثر وضوحا هل تأتي الحروب فعلا من أجل الحرية أم أن الحرية مجرد عنوان يكتب على غلاف صراعات أكبر تدور في الخفاء بين القوى الكبرى على النفوذ والمصالح

هذا السؤال ربما لا يملك إجابة واحدة لكنه يظل مفتوحا أمام كل تجربة جديدة تكتب فصلا آخر في علاقة الشعوب بالقوة وبالشعارات التي ترفع باسمها في زمن تتشابك فيه السياسة بالتاريخ وتختلط فيه الكلمات بالوقائع على أرض لا تتوقف عن إنتاج الأسئلة.

عن دكتوره مرفت عبد القادر

شاهد أيضاً

تحالف أوروبي يدفع بقوات عسكرية إلى قبرص ويحوّل شرق المتوسط إلى ساحة استنفار

500 36     كتب/ أيمن بحر   فى تطور عسكرى متسارع يعكس حجم التوتر …