سجن بلا جدران.. الفقر كهوية

بقلم رشا يوسف

لم يعد الفقر في كثير من المجتمعات مجرد نقص في الدخل، بل تحول إلى هوية تسبق الإنسان أينما ذهب.

فما إن يُوصَف شخص بأنه فقير، حتى تُعاد صياغة صورته في الوعي الجمعي؛

فيُنظر إليه باعتباره أقل كفاءة، وأقل استحقاقًا، وأقل قدرة على النجاح،

وكأن الفقر عيب شخصي لا نتيجة لظروف اقتصادية واجتماعية معقدة .

الأخطر أن المجتمعات الحديثة، رغم خطابها المتكرر عن تكافؤ الفرص،

كثيرًا ما تعيد إنتاج الفقر بصورة أكثر تعقيدًا.

فالطفل الذي يولد في حي فقير لا يرث المال فقط، بل يرث مدرسة أقل جودة،

وخدمات صحية أضعف، وشبكة علاقات محدودة،

وفرصًا أقل للوصول إلى الوظائف المؤثرة.

وهكذا يتحول الفقر من ظرف اقتصادي مؤقت إلى إطار اجتماعي يحدد مسار الحياة قبل أن يبدأ.

ولا يقتصر الأمر على المؤسسات، بل يمتد إلى الثقافة العامة.

فاللغة اليومية كثيرًا ما تربط الفقر بالفشل، وكأن النجاح دليل على الكفاءة المطلقة،

والفقر دليل على التقصير الشخصي.

هذا التبسيط يتجاهل تأثير السياسات الاقتصادية، وسوق العمل، والتفاوت في توزيع الفرص.

فليس كل غني صنع ثروته وحده، وليس كل فقير مسؤولًا بالكامل عن واقعه .

المفارقة أن أخطر آثار الفقر ليست اقتصادية، بل نفسية وسياسية.

فالإنسان الذي يشعر أن المجتمع قد صنفه مسبقًا،

وأن أبواب الصعود الاجتماعي موصدة، يفقد تدريجيًا إحساسه بالانتماء والثقة في العدالة.

وحينها يصبح الفقر بيئة خصبة للإحباط، وللعزوف عن المشاركة، وربما للغضب الذي ينفجر بأشكال مختلفة .

إن أخطر أشكال الفقر ليس نقص المال، بل أن يقتنع المجتمع، وربما يقتنع الفقير نفسه،

بأن مكانه الطبيعي هو الهامش. عندها لا تصبح المعركة ضد الفقر معركة اقتصادية فقط،

بل معركة لاستعادة الإنسان من الصورة التي فرضها عليه الآخرون.

وحين يصبح الفقر هوية، تتغير طريقة تعامل الدولة والإعلام والمجتمع مع الفقير.

فلا يُنظر إليه بوصفه مواطنًا له حقوق،

بل باعتباره مشكلة تحتاج إلى احتواء أو إحسان.

وهنا يفقد الإنسان أهم ما يملكه..الاعتراف بكرامته وإمكاناته

إرسال التعليق

You May Have Missed