عندما طمست الأبصار عن جادة الطريق

بقلم محمد الدكروري

ذكرت المصادر الإسلامية في إشارة إلى أساس أخلاقي من أسس الشريعة السمحاء أنه كان النبي المصطفي صلى الله عليه وسلم يوصي أصحابه وقائدي الجيش “انطلقوا باسم الله،

وبالله، وعلى ملة رسول الله، لا تقتلوا شيخا فانيا، ولا طفلا ولا صغيرا، ولا امرأة ولا تغلوا،

وأصلحوا وأحسنوا، فإن الله يحب المحسنين”

وهذا أمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدم التعرض لكبار السن والنساء والأطفال بإعتبارهم غير محاربين، ولا يقوون على حمل السلاح، فإعتبرهم من غير المشمولين بالحرب والقتل وهذا ما وصلت إليه الإتفاقيات الدولية وخاصة إتفاقية جنيف لحماية المدنيين في الثاني عشر من شهر أغسطس من عام ألف وتسعمائة وتسعة وأربعون ميلادي،

وهو كسابقه أصبح حبرا على ورق لما نراه اليوم من تعرض المدنيين شيوخا ونساء وأطفالا.
إلى القتل والدمار وبكافة أنواع الأسلحة، وحتى المحرمة دوليا، كالأسلحة السمية، كيماوية وبيولوجية، ناهيك عن أسلحة الدمار الشامل فتراهم من جهة يصرحون بإتفاق معين لخدمة البشرية والسلام، ومن جهة أخرى يتغاضون عن أفعالهم أو أفعال بعضهم في تدمير المجتمعات بوسائل أكثر وحشية، ولنعلم جميعا أنه عندماء جاء الإسلام إلي البشرية وجاء رسول الله صلي الله عليه وسلم هاديا ومبشرا ونذيرا، وداعيا إلي الله بإذنه وسراجا منيرا، فلم يترك شيئا مما أمر به إلا بلغه، فتح الله به أعينا عميا، وآذانا صُما، وقلوبا غلفا وهدى الناس من الضلالة، ونجاهم مِن الجهالة، وبصرهم من العمى, وأخرجهم من الظلمات إلى النور, وهداهم بإذن ربه إلى صراط مستقيم، ولقد أصبحوا أصحاب رسالة وغاية، وأصبحوا معلمين وأساتذة وقادة بهذا الإيمان.

فكان المجتمع قبل بعثة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أشبه ما يكون بالغابة الواسعة المظلمة يتيه فيها القوم، فكان قويهم يأكل ضعيفهم، لا يعرفون طريقا يهديهم إلى الخروج من تلك الغابة، ولا يستأنسون بمرشد يرشدهم إلى طريق الصواب، فالقدرات البشرية معطلة أو ضائعة لم ينتفع بها، ولم توجه التوجيهَ الصحيح السليم، فكانت وبالا على أصحابها وعلى الإنسانية جمعاء، فعمت الفوضي وانتشر الظلم، والفساد بعبادة الأصنام وشرب الخمور، وأكل الميتة ووأد البنات وبالجملة لم تكن هناك فضائل تذكَر أو تعد، فصار الخير شرا، وتبدل ظلاما وعتمة، عمت القلوب، وطمست الأبصار عن جادة الطريق، وإزاء تلك الصورة القاتمة لهذا المجتمع الجاهلي الذي عاصره الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، كان لزاما عليه، صلوات الله وسلامه عليه، أن يقوم ببناء وعمارة هذا المجتمع.

ليكون مجتمعا فاضلا يشعر فيه الإنسان من جديد بكيانه وكرامته وقيمته، ويدرك حقيقة وجوده على الأرض، يشعر بالانتماء لعقيدته ووطنه، ويعتز بالانتساب إلي هذه العقيدة، فيعمل جاهدا من أجل تحقيق غايته في الوجود، وهي عبادة الله تعالي ومعرفته وعمارة الأرض وتحقيق الخلافة في الأرض، وإن عمارة الأرض هي التمكين كما هو واضح من قوله سبحانه وتعالى فى سورة الأعراف ” ولقد مكناكم فى الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون” ولاشك أن المجتمع الذي أنشأه النبي صلى الله عليه وسلم هو مثال للمجتمعات الآمنة المستقرة، وقد ظهر ذلك جليا منذ أن بعث النبي صلى الله عليه وسلم وبدأ في تكوين الدولة، ويرجع أمن واستقرار المجتمع هذا إلى عدة مقومات منها إن من أهم تلك الأسس أو المقومات التي وضعها رسول البشرية صلى الله عليه وسلم لهذا المجتمع الإسلامي الجديد.

وهو البناء العقائدي للإنسان، وهو البناء العقائدي الذي يهدف من خلاله بناء الإنسان الذي يقوم علي عاتقه بناء الأوطان لأن بناء الإنسان مقدم علي يناء الأوطان فهو مطلب إنساني وايضا مطلب قرآني بدأ النبي الكريم صلي الله عليه وسلم بتربية الروح والعقل، فبدأ ببناء الإنسان، وذلك بتحرير العقول من الأوهام، ومن الجاهلية ومن العبودية، ومن التخلف، فلا يكتمل بناء الوطن إلا بالعمل على بناء الإنسان وتطوير الكفاءة، فالعقيدة السليمة، هي اللبنة الأساسية في بناء شخصية المسلم على مستوى الفكر والسلوك، وهي العنصر الفعال المحرك لعواطفه والموجه لإرادته.

عن محمد البحيري

شاهد أيضاً

قصة أم المؤمنين السيدة أم حبيبة بنت عم رسول الله

500 158 بقلم صبري الحصري أم المؤمنين السيدة أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان من …