قلة الغيث وغلاء السعر

بقلم / محمـــد الدكــروري

ذكرت كتب الفقه الإسلامي أن هناك الكثير والكثير من آيات الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، ولقد خلق الله كل ما فى الأرض صالحا، فلماذا أفسدت أيها الإنسان ذلك الصلاح، فاستنزفت ثرواتها استنزافا، ولوثت هواءها ومياهها تلويثا، وها أنت أيها الإنسان تغير في مخلوقات الله، وقد أمرك ربك ألا تفسد فيها فأفسدت، فظهر الفساد في البر والبحر، وكنت أنت السبب، فتجرع صنيعك، ذق ما كسبت، وأى كسب جعلك تضحى بالهواء فتلوثه، وبالماء العذب فتفسده، وبأزواج النبات البهيج فتحرقه، وتقطع الأشجار والغابات، وتأتي على التربة الخيرة فتجرفها، فإن خير ربنا إلى الناس نازل، وشرهم إليه صاعد، فيا أيها الإنسان الكادح البائس، هل لك غير الأرض موئل؟ ليس أمام المفسدين إلا أن يمدوا بسبب إلى السماء حتى ينقطع غيظهم.

فما هو المخرج من ذلك النفق المظلم الذى يحفره الإنسان لنفسه؟ المخرج والعودة إلى الله، ويقول تعالى كما جاء فى سورة الروم ” ظهر الفساد فى البر والبحر بما كسبت أيدى الناس ليذيقهم بعض الذى عملوا لعلهم يرجعون” فقال المفسرون إن المراد بالبر هو البر المعروف، وبالبحر هو البحر المعروف، واختلفت تفسيرات بعضهم في معنى ظهور الفساد ومعنى البر والبحر، فهم وهم الصالحون، لم يتصوروا أن يصل الفساد إلى تلوث الهواء بالغازات السامة، بفعل الوقود الحجرى والأسلحة الكيميائية التى لم يكن لها وجود في أيامهم، ولا أن يلوث الماء بمخلفات المصانع من الكيماويات، ولا أن تدفن النفايات الذرية في البر والبحر، ولم يخطر على بال هؤلاء الصالحين أن الناس سوف يعثيون في الأرض فسادا.

ويستخدم الأسلحة الكيميائية والبيولوجية الفتاكة، نعم لم يخطر ببال الصالحين من القرون السابقة أن يلوث الإنسان الهواء الذي يتنفسه والماء المخزون في جوف الأرض الذي يشربه، وقد تحدث القرآن عن فساد البر والبحر في وقت لم تكن حدود البر على مستوى الأرض جميعا، معروفة لدى السابقين، وكذلك حدود البحر لذلك اختلف المفسرون في معنى البر والبحر، فقال ابن عباس رضى الله عنهما المراد بالبر هنا الفيافى، وبالبحر الأمصار والقرى، وفي رواية عنه البحر الأمصار، والقرى ما كان منها على جانب نهر، وقال آخرون كما ذكر من قبل بل المراد البر هو البر المعروف، والبحر هو البحر المعروف، وقال مجاهد فساد البر قتل ابن آدم، وفساد البحر أخذ السفينة غصبا، وقال عطاء المراد بالبر ما فيه من المدائن والقرى.

وبالبحر جزائره، وعن معنى ظهور الفساد ذكر المفسرون أنه عصيان الله في الأرض، وقالوا قلة الغيث وغلاء السعر، وظهور الجدب في البوادى والقرى ومدن البحر، وقوله تعالى ” ليذيقهم بعض الذى عملوا ” أى يبتليهم بنقص الأموال والأنفس والثمرات اختبارا منه، ومجازاة على صنيعهم ومعنى ” لعلهم يرجعون” أى لعلهم يتوبون، وظهور الفساد قد يشير إلى وجوده مستترا مختفيا، أو ظهوره علنا، والأرض فى أصلها خلقت صالحة، والإنسان هو الذى أحدث فيها الفساد، ونهانا رب العالمين عن الفساد فى الأرض، فقال تعالى كما جاء فى سورة الأعراف “ولا تفسدوا فى الأرض بعد إصلاحها”

You May Have Missed