مرض ووفاة الحافظ ابن حجر
بقلم / محمـــد الدكـــروري
ذكرت المصادر التاريخية الكثير عن الإمام ابن حجر شهاب الدين أبو الفضل العسقلاني،
وقد بدأ المرض بالحافظ ابن حجر في ذي القعدة سنة ثماني مائة واثنين وخمسين للهجرة،
ومع مرضه إلا أنه كان يواصل أعماله ويحضر مجالس الإملاء وهو ضعيف الحركة،
يكتم عن الناس وعكه، وخشي الأطباء أن يناولوه مسهلا لأجل سنه، فأشير بلبن الحليب،
فتناوله، فلانت الطبيعة قليلا، وأدى ذلك إلى نشاط يسير ونوع خفة، ثم عاد الكتمان،
وتزايد الألم بالمعدة، ولم يستطع أن يؤدي صلاة الأضحى الذي صادف يوم الثلاثاء، وهو الذي لم يترك صلاة جمعة ولا جماعة، وصلى الجمعة التي تلي العيد، وكان آخر ما سمع عليه فضل ذي الحجة لابن أبي الدنيا يوم عرفة، وتوجه إلى زوجته الحلبية، وقد احس بدنو أجله.
فاعتذر عن انقطاعه عنها، واستعطف خاطرها واسترضاها، وكان يقول “اللهم حرمتني عافيتك، فلا تحرمني عفوك” وقد تزايد المرض واشتد به، وتردد إليه الأطباء، وهرع الناس من الأمراء والقضاة والعلماء والمباشرين والطلبة لعيادته، وممن حضر إليه هو الأمير دولات باي، والقاضي ولي الدين السفطي، والبدر العيني، والقاضي سعد الدين بن الديري، وفي يوم الثلاثاء الرابع عشر من شهر ذي الحجة، اشتد عليه مرضه، وصار يصلي الفرض جالسا، وترك قيام الليل، ثم تتابع عليه الصرع من يوم الأربعاء إلى أن توفي ليلة السبت في أواخر شهر ذي الحجة سنة ثماني مائة واثنين وخمسين للهجرة، وقد اختلف مترجموه في تحديد تاريخ يوم وفاته، كما اختلفوا في تحديد يوم ولادته.
مع اتفاقهم على أن وفاته كانت ليلة السبت، من ذي الحجة، إلا أنهم اختلفوا أي سبت هو، فقال بعضهم كانت وفاته في الثامن والعشرين من ذي الحجة، وقال آخرون في التاسع عشر منه، وذهب فريق ثالث إلى أن وفاته كانت في الثامن عشر من ذي الحجة، وكانت جنازته مشهودة، لم يكن بعد جنازة ابن تيمية أحفل منها، وقال السخاوي “وكانت ساعة عظيمة، وأمرا مهولا، ووقع النوح في سائر النواحي من أصناف الخلق، حتى من أهل الذمة، واجتمع في جنازته من الخلق مَن لا يحصيهم إلا الله عز وجل، بحيث ما أظن كبير أحد من سائر الناس تخلف عن شهودها، وقيل قفلت الأسواق والدكاكين، ويقال إنه قدر من مشى في جنازته بنحو خمسين ألف إنسان، وعندي أنه لا يتهيأ حصرهم، ولا يدرك حدُهم”
وقد شيعت جثمانه القاهرة كلها وحمل نعشه إلى مصلى المؤمني حيث أمر السلطان جقمق، بأن يحضر إلى هناك، ومشى في جنازته الخليفة سليمان المستكفي بالله، والقضاة، والعلماء، والأمراء، والأعيان بل غالب الناس، حتى قيل عن بعض الأذكياء أنه قدرمن مشى في الجنازة أكثر من خمسين ألف إنسان، ولما وصلت جنازته المصلى أمطرت السماء على نعشه مطرا خفيفا، ولم يكن زمان مطر، وفي هذه الواقعة يقول الشِّهابُ المنصوري ” قد بكت السحب على قاضي القضاة بالمطر، وانهدم الركن الذي كان مشيدا من حجر، وتقدم ليصلي عليه صلاة الجنازة الخليفة العباسي سليمان المستكفي بالله، بإذن من السلطان جقمق، وقيل صلى عليه قاضي القضاة علم الدين البلقيني، وبعد الصلاة حُملت الجنازة إلى المحل الذي عُيِّن لدفنه، في القراف
ة الصغرى.
















إرسال التعليق