إكرام حامل القرآن وأهل العلم
محمد البحيري
3 ديسمبر، 2025
الدين والدنيا
500 173
بقلم محمد الدكروري
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقرارا به وتوحيدا وأشهد أن محمدا عبده ورسوله
صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما مزيدا، أما بعد قيل أنه جاء رجل إلى النبي
صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الجهاد، فقال له أحيّ والداك؟ قال نعم،
قال ففيهما فجاهد” متفق عليه، فجعل بر الوالدين الكبيرين خيرا من خروجه إلى المعركة،
فيا أيها الأبناء، لا تحولوا كبر أعزتكم إلى وجع وحدة، ولا تدعوهم أسرى في غرفة باردة، واجلسوا معهم، اسمعوا كلامهم، فكلماتهم درر مغموسة بتجارب عمر طويل، فتعلموا من كباركم الصبر والحكمة، وامنحوهم من وقتكم وقلوبكم وابتسامتكم فإن في ذلك نورا لقلوبكم، وبركة لأيامكم.
فالكبير فينا ليس جسدا أضنته السنون، ولا رأسا غزاه المشيب، إنما هو سفر مفتوح من الحكمة، وشجرة وارفة الظلال من التجارب، يختصر لك الطريق بكلمة، ويهديك الصواب بنظرة، فإذا جلس الكبير في المجلس أضفى عليه المهابة، وإذا تكلم زيّنه الوقار، وإذا صمت علمك بالصمت قبل الكلام، فما أعظم الخسارة أن نهملهم، وما أهنأ الفوز أن نكون من البارين بهم، فيا أيها المؤمنون اعلموا أن الكبر هو ضعف بعد قوة، وحاجة بعد غنى، فمن ساعد كبيرا، رحمه الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم “ما أكرم شاب شيخا لسنه، إلا قيض الله له من يكرمه عند سنه ” رواه الترمذي، فيا عباد الله من يهمل أهله وكباره اليوم، فسيجد من يهمله غدا فاعملوا لما تحبون أن يعاملكم به أبناؤكم، فالمجتمع الذي يهمل كباره مجتمع يقطع جذوره، ويسير نحو الضعف والزوال، فالكبار ليسوا عالة.
بل هم الخزانة المملوءة بالحكمة، من فقد مجالسهم، فقد نصف التاريخ ونصف العقل، فاتقوا الله عباد الله، وأكرموا كباركم، تنالوا بركة الحياة، وسعادة الدنيا، والفوز بالجنة، فينبغي علينا إكرام ذي الشيبة المسلم وحامل القرآن وأهل العلم، وهكذا رحمة الصغير، وتوقير الكبير، وإكرام السلطان المقسط، كل هذا مما جاءت به الشريعة، ولهذا قال رسول الله صلي الله عليه وسلم إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام السلطان المقسط يعني العادل، وفي اللفظ الآخر ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويعرف حق كبيرنا” وفي حديث السيدة عائشة رضي الله عنها أن النبي عليه الصلاة والسلام قال أنزلوا الناس منازلهم، والأدلة الشرعية تدل على هذا المعنى، فإن الناس ينزلون منازلهم، فالعالم له حقه، وشيخ القبيلة ورئيس القوم له حقه.
والصغير له حقه، وحامل القرآن وطالب العلم له حقه، وكبير السن بالنسبة للصغير، وهكذا إنزال الناس منازلهم، فالمؤمن يعرف لكل ذي حق حقه، ولا يجفو من يستحق عدم الجفاء، بل ينظر في منازل الناس حتى يعطي كل ذي حق حقه، من باب إنزال الناس منازلهم، فإذا كان الفقير الذي ترده اللقمة واللقمتان أعطاه، وإذا كان من ذوي الشرف وذوي الهيبة فينزل منزلته يدعا ويكرم في البيت أو في المحل المناسب، حتى يقدم له ما يحتاجه من غداء أو عشاء أو نحو ذلك، فالمقصود من هذا كله أن المؤمن ينزل الناس منازلهم، ولا يجعلهم على حد سواء في إكرامهم وتقديرهم، بل على حسب مراتبهم في الدين، ومراتبهم في كبر السن، ومراتبهم في وظائفهم الشرعية فالقاضي له حقه، والعالم له حقه، والسلطان له حقه، والأمير له حقه، والشيخ كبير السن له حقه.
والوالد له حقه، والأخ الكبير له حقه، والجار له حقه، وهكذا، فكل إنسان يُعطى حقه المناسب له بحسب ما جاءت به الشريعة، فاللهم بارك في أعمار شيوخنا، واختم لهم بالسعادة والرضوان، وارزقنا برّهم والإحسان إليهم، واجعل ذلك سببا لرفعة درجاتنا يوم نلقاك، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، واحم حوزة الدين، واجعل هذا البلد آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين، وأعذنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن.