لقد وصف الله سبحانه وتعالي نفسه بصفة الرحمة في آيات كثيرة في القرآن الكريم ووصف نبيه صلى الله عليه وسلم صفة الرحمة في جملة من الأحاديث، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” لما قضى الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش إن رحمتي غلبت غضبي ” رواه البخاري ومسلم، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول “جعل الله الرحمة في مائة جزء فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءا وأنزل في الأرض جزءا واحدا فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه” رواه البخاري، وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال ” قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبي فإذا امرأة من السبي تبتغي إذا وجدت صبيا في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ” أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار ؟
قلنا لا والله وهي تقدر على أن تطرحه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” لله أرحم بعباده من هذه بولدها” رواه مسلم، وإن الله تعالي وعدنا بنصره إن كنا مؤمنين ونصرنا دينه ورفعنا رايته، فالمسلم يوقن بأن الله ناصره وناصر دينه مهما طال الزمن، ومهما قويت شوكة الباطل، فقال تعالى فى سورة الأنبياء ” ولقد كتبنا فى الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادى الصالحون” ويقول صلى الله عليه وسلم “بشر هذه الأمة بالسناء” أي إرتفاع المنزلة والقدر”والدين” هو الإِسلام، والمراد بشرهم بأنهم يثبتون عليه وأنه لا يزيده الله إلا قوة وأنه يظهره على الدين كله كما وقع ذلك، فإن تحقيق الإيمان والعمل الصالح لدى أفراد الأمة إنما يكون بالدعوة إلى الله عز وجل تصفية وتربية، على أيدي العلماء الربانيين الذين هم اتباع سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى فى سورة يوسف ” قل هذه سبيلى أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى وسبحان الله وما أنا من المشركين”
وقال ابن القيم رحمه الله في سبيله وسبيل أتباعه الدعوة إلى الله فمن لم يدع إلى الله فليس على سبيله، وقال تعالى فى سورة النحل ” ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن” وقال تعالى فى سورة الفرقان ” فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا” وقال ابن القيم فهذا جهاد بالقرآن وهو أكبر الجهادين، فأوصيكم أيها الناس ونفسي بتقوى الله فاتقوا الله رحمكم الله فالتقوى حياة في القلب، ويقين بالغيب وحالة في النفس تتبين منها إتجاهات الأعمال، وتتوجه بها المشاعر الباطنية والتصرفات الظاهرية، ويتصل بها العبد بربه سرا وعلانية فمن تأمّل خطوب الأيام استغنى عن خطب الأنام، ومن سلك مسالك الإعتبار، أضاءت له مصابيح الإستبصار، فتأملوا رحمكم الله في دروب المسير، وتذكروا أين المصير، وبادروا قبل هجوم الفاقرة، وشمّروا لعمل الآخرة، وإن المتأمل في سيرة النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم يجد أنها ملئ بتلك الأخلاق الرائعة التي إمتدحه الله عزوجل بها في قوله تعالى.
“وإنك لعلي خلق عظيم” ومن هذه الأخلاق والتي أساس في دعوته وتعامله صلى الله عليه وسلم هو خلق الرحمة فتأمل الوصف القرآني لهذا الخلق ” فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ” وتجلى هذا الخلق في حياته صلى الله عليه وسلم ببعض الأمثلة التي توضح ذلك الخلق الرفيع فمن هذه الأمثلة أنه قال صلى الله عليه وسلم ” يا أيها الناس عليكم من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا ” رواه البخاري ومسلم، وعندما تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله تعالى ” إن تعذبهم فإنك عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ” رفع يديه صلى الله عليه وسلم وقال ” اللهم أمتي أمتي وبكى، فقال الله عز وجل ياجبريل اذهب إلى محمد فسله ما يبكيك؟ فأتاه جبريل فسأله فأخبره الرسول صلى الله عليه وسلم بما قال، فقال الله ياجبريل اذهب إلى محمد فقل إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك” رواه مسلم.
وإن هناك بعض الناس خلقهم الله تعالي لهم أبصار وأسماع لا يوجهونها إلى التأمل والتفكر فيما يرون من آيات الله في خلقه، وفيما يسمعون من آيات الله المنزلة على رسله، ومن أخبار التاريخ الدالة على سننه تعالى في خلقه، فيهتدوا بكل منها إلى ما فيه سعادتهم في دنياهم وآخرتهم، ولقد انتقد جهل المسلمين بالعلوم الطبيعية، حتى وإن أخذها بعضهم فإنه يقلد الغرب ويبحث عن منافع الأشياء للاستفادة منها في الحياة الدنيا، دون أن تكون تلك العلوم موصلة له إلى الآخرة، فقال “ومن أصاب منهم حظا من هذه العلوم ويقصد المسلمين فإنما أخذه عن الإفرنج أو تلاميذهم المتفرنجين فكان مقلدا فيه لهم لا مستقلا، ولم يتجاوز طريقهم في البحث عن منافع هذه الأشياء لأجل الانتفاع بها في هذه الحياة الدنيا، وإنه يصدق على هؤلاء العلماء الذي استعملوا عقولهم وأبصارهم وأسماعهم في استنباط حقائق العلوم ونفعها المادي العاجل، ما يصدق على الذين أهملوا استعمالها، وآثروا الجهل على العلم بها.
فقال تعالى ” يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون” والنبي الكريم صلى الله عليه وسلم أكرمه الله تعالى بأن ختم الله به الرسالات وأتم به النبوات وأنزل عليه آخر الكتب السماوية الذي هو القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه والجن كما مرّ معنا أنهم مخلوقون من نار، ومع ذلك لما رزق بعضهم الإيمان رزق التأثر بالقرآن.
إرسال التعليق