يا ليتني قدمت لحياتي

 

بقلم / محمـــد الدكـــروري

لقد كان الصحابة رضوان الله عليهم حريصين على ملامسة أو ملامسة شيء لمسه النبي صلى الله عليه وسلم رجاء البركة،

فعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال “جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ببردة،

فقال سهل للقوم أتدرون ما البردة؟

فقال القوم هي الشملة، فقال سهل هي شملة منسوجة فيها حاشيتها، فقالت يا رسول الله أكسوك هذه؟

فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم محتاجا إليها فلبسها، فرآها عليه رجل من الصحابة فقال يا رسول الله ما أحسن هذه فاكسنيها، فقال نعم،

 

فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم لامه أصحابه،

قالوا ما أحسنت حين رأيت النبي صلى الله عليه وسلم أخذها محتاجا إليها ثم سألته إياها،

وقد عرفت أنه لا يُسأل شيئا فيمنعه، فقال رجوت بركتها حين لبسها النبي صلى الله عليه وسلم لعلي أكفن فيها” رواه البخاري،

وفي رواية أخرى قال الصحابي ” والله إني ما سألته لألبسها،

إنما سألته لتكون كفني، قال سهل فكانت كفنه”

 

ويظهر في هذا الحديث وغيره تعظيم الصحابة رضوان الله عليهم لكل ما لامس جسد النبي صلى الله عليه وسلم فالصحابي السائل ما طلب البردة ليلبسها، بل طلبها ليكفن بها، تبركا بملامستها لجسد النبي الكريم المبارك صلى الله عليه وسلم، ولولا علم الصحابة بجواز ذلك لأنكروا عليه، ولو أنهم كانوا يجهلون المسألة أصلا، لسألوا عنها النبي صلى الله عليه وسلم، ولقد فاتت الفرص علي من كان قبلكم وضيعوها، حتي إنتقلوا إلي دار الحياة البرزخية، ولكن الفرصة ماثلة أمامكم فماذا أنتم فاعلون؟ لذلك شكى وبكى الصالحون والطالحون ضيق العمر، وبكى الأخيار والفجار انصرام الأوقات، فأما الأخيار فبكوا وندموا على أنهم ما تزودوا أكثر، وأما الفجار فتأسفوا على ما فعلوا في الأيام الخالية، ويوم القيامة تندم وتقول يا ليتني قدمت لحياتي، وكأن الحياة لم تبدأ بعد، فالحياة الحقيقية هي الآخرة، ويقول الإمام الفخر الرازي ” يا ليتني قدمت ” في الدنيا التي كانت حياتي فيها منقطعة لحياتي.

 

هذه التي هي دائمة غير منقطعة وإنما قال لحياتي ولم يقل لهذه الحياة على معنى أن الحياة كأنها ليست إلا الحياة في الدار الآخرة، وكما يجب أن نعلم الجهد الهائل، الذي كان يبذله رسول الله صلى الله عليه وسلم بحيث لا يسمح بفوات فرصة لتبليغ رسالة الإسلام إلى الناس، ولم يكن يتحرج من أن يُفاتح في أمر الدين رجالا ما عرفهم إلا منذ دقائق معدودات، ولم يكن يتعلل بما يقوله كثير من المسلمين الآن من أنه لا بد من التعارف الطويل الذي قد يمتد إلى شهور وسنوات حتى تكلم الناس في أمر العقيدة، خاصة أنه هنا يقابل أفرادا قد لا يتيسر له أن يقابلهم ثانية، لذا فقد كان يتحدث مع الناس بشكل مباشر واضح لا يضيع فيه وقتا، وكان بعض المسلمين ينتهج طريقة الدعوة بالسلوك فقط، فيتخيل أن الناس إذا رأت منه الأخلاق الحميدة، والخصال الشريفة، فهذا يكفي للتعريف بالإسلام، وهذا الفكر في الواقع صواب من ناحية، وخطأ من ناحية أخري، فالسلوك مهم جدا لإقناع الناس بالجانب العملي والتربوي في هذا الدين.

 

ولكن الإكتفاء به وحده دون تصريح مباشر بالمرجعية الإسلامية العقائدية لهذا السلوك خطأ كبير، لأن عموم الناس ليست لهم القدرة على ربط أخلاق المسلم الحميدة بالإسلام، إلا إذا صرح هو بذلك، وإعلموا أن بركة النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم تمثلت في أكثر من شيء، فبدنه مبارك، ورؤيته بركة، وكلامه كذلك، والله تعالى أرسل نبيه صلى الله عليه وسلم لدعوة الناس وهدايتهم بأقواله وأفعاله، فهل كل من سمع كلامه آمن به؟ أو رآه سرت إليه بركته؟ كلا، لا يزعم هذا أحد، فالذين أعرضوا عن دعوته وماتوا كافرين بالله تعالى كأبي جهل وأبي لهب وغيرهم ممن عاصره صلى الله عليه وسلم هم من أكثر الناس له سماعا ورؤية، وتماسا باليد والبدن سنين طويلة، ومع ذلك لم ينتفعوا من ذلك بشيء، ولا شك أن بركته صلى الله عليه وسلم موجودة وحاضرة، لا يمنع من سريانها مانع منه صلى الله عليه وسلم، بل علة المنع منهم، فهم الذين لم يقبلوا هدى الله عز وجل الذي أرسله به.

 

فإنما هم قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، وقد وقعت أبصارهم عليه، فأين هم من الحديث الذي رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ” طوبى لمن رآني، ولمن رأى من رآني، ولمن رأى من رأى من رآني” رواه الطبراني، وإذا إنشغل الكثير من الناس ببركته الحسية صلى الله عليه وسلم وهي ولا شك ثابتة له، وهي من عظيم فضائله ومن دلائل نبوته، فأين نحن من الإهتمام ببركته المعنوية في إتباع هديه وسنته وشريعته صلي الله عليه وسلم؟ فاللهم صلي وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي آله وأصحا

به أجمعين.

إرسال التعليق

You May Have Missed