×

أبوعبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه أَمِيــنُ الأُمـَّـــة.

كتب أشرف ماهر ضلع

 

سار القائدُ أبوعبيدة بن الجراح إلى ( اللاذقية ) ليفتحهـا، فكان لهـا بابٌ عظيم لا يُمكن فتحه إلا بجماعة كبيرة من الناس.
فعسكر المسلمون على بُعدٍ منها، ثم حُفرت حفائر عظيمة تستر الحفرة منها الفارس راكباً،
ثم أظهر المسلمون أنهم عائدون عنها ورحلوا .. فلمّا أظلم الليل عادوا واستتـروا في تلك الحفائر.
وأصبح أهل اللاذقية وهم يرون أن المسلمين قد انصرفوا عنهم فخرجـوا وانتشـروا بظاهر البلد.
فلم يرعهم إلا والمسلمون يصيحون بهم ، ثم دخلوا المدينة وفتحوها عنــوةً . فلله دَرُّ ذاك القائد ..!!

وجاء رسولٌ إلى أبي عبيدة من قبل الملك الرومي ( مـاهـان ) طالباً منه إرسال خالد بن الوليد إلى الملك كي يتفاهم معه.
فدعا أبوعبيدة هذا الرسول إلى الإسلام فشرح الله له صدره واستجاب لدعوة أبي عبيدة ودخل الإسلام !

ومن أعظم النجاحات التي حققها أبوعبيدة رضي الله عنه – وهو قائد لجيوش المسلمين – أن قام بفتح ( بيــت المقـدس ).
فقد حاصرها حتى طلب أهلُهـا منه أن يُصالحهم على مثل ما صالح عليه أهل الشام.

فكتب أبوعبيدة إلى أمير المؤمنين الفاروق الأكبر عمر بن الخطاب يُخبره بذلك، فَقدِم عمر رضي الله عنه بنفسه وتسلم مفاتيح بيت المقدس، وهو يرسم على أطلاله خارطة طريق المسلمين قوامها ( نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله )!
وكأني بالمسجد الأقصى ينادي الآن ويقـول : أين أنت يا عمر .. أين أنت يا أبـاعبيدة ؟!
تعـالا وانظرا مـا آل إليه حالي ..!!
فقد عاد اليهود .. فأين أنتمـا ؟
وأمـةُ المليـار .. قـد تداعـتْ عليهـا الأمم وقُذِفَ في قُلوبِها الوَهن.

ولكن .. إن مات أبوعبيدة وعمر ..!
فالله ُ حــيٌ لا يمــوت وسيعـود الأقصى من جديد إلى حضن الإسلام.
والأمُ التي أنجبت صلاح الدين الأيـوبي وسيـف الدين قطز قادرة على صناعة أبطالٍ مثلهم يُعيدون للإسلام عِزه ومجده.

وإن سألت عن زهد أبي عبيدة فهو إمامٌ في ذلك؛ فقد أرسل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أربعة آلاف درهم إلى أبي عبيدة وقال لرسوله : انظر ما يصنع .. !!
فقسّمهـا أبوعبيدة .
فلما أخبر الرسولُ عمرَ بذلك قال عمر : الحمد لله الذي جعل في الإسلام من يصنع هذا.

ولمّا قَدِم عمرُ الشامَ تلقـاه أُمراء الأجنـادِ وعظماء أهل الأرض .
فقال عمر : أين أخي ؟
قالوا : من ؟
قال : أبوعبيـدة ..!!
قالوا : يأتيك الآن .. فجاء أبوعبيدة على ناقةٍ مخطومة بحبل فسَّلم عليه .
فقال عمر للناس : انصرفوا عنـا.
وسار مع أبي عبيدة حتى منزله فنزل عليه فلم يَـرَ في بيته إلا سيفه وترسه .
فقال عمر : لو اتخذت متاعـًا ..!!
قال أبوعبيدة : هذا سيبلغنا المقيل !

وفي رواية أن عمر قال لأبي عبيدة : اذهب بنا إلى منزلك يا أباعبيدة .
فقال له : وما تصنع عندي يا أمير المؤمنين ؟
ما تريد إلا أن تعصر عينيك عليّ !!
فلمّا دخل عمر لم يَرَ بالبيت شيئاً
فقال : أين متاعُك ؟
لا أرى إلا لبـداً وصفحةً وشنّـاً .. وأنت أمير .. !!
أعندك طعام ؟
فقام أبوعبيدة إلى جونة فأخذ منها كُسيرات .
فبكى عمر وقال : غيّرتنـا الدنيـا كُلّنـا غيرك يا أباعبيدة.

ولمّا ظهر الطاعون المعروف ( بطـاعـون عَمـَواس ) ببـلاد الشــام كتـب عمر إلى أبي عبيدة قائلاً : قد عرضت لي حاجـة، ولا غنى بي عنك فيها فعجّل إليَّ .
فلمّا قرأ أبوعبيدة الكتاب قال : عرفتُ حاجة أمير المؤمنين، إنه يريـدُ أن يستبقي من ليس بباقٍ .
فكتب : إني قد عرفت حاجتك فحلِّلْني من عزيمتك، فإني في جُندٍ من أجنادِ المسلمين لا أرغب بنفسي عنهم.
فلمّا قرأ عمرُ الكتاب بكـى .
فقيل له : مـات أبوعبيدة ؟
قال : لا .. وكأن قَـد ..
ولم يكذب ظنُّ الفاروق إذ ما لبـثَ أن أُصيب أبوعبيدة بالطاعون فانتقلت رُوحُه إلى بارئها .. انتقلت هذه النفسُ الطاهرة التقيـة النقيـة إلى الله جل وعلا.
مات أمين الأمة في نفس الأرض التي طهرها من وثنيةِ الفُرس واضطهاد الرومـان .
مــــــات ابنُ الجرااااااح …
مــــــات أميـنُ الأمــة …
فصلى عليه معاذ بن جبـل وكان عُمُر أبي عبيدة حينئـذٍ ثمانية وخمسيـن عاماً.

وفي يومٍ من الأيام يقول الفاروق عمر رضي الله عنه لمن معه : تَمنَّـــوا …!
فمنهم من قال : أتمنى ملء هذه الدارِ ذهباً فأُنفقها في سبيل الله.
وقال آخر : أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤاً وَزُبرجُداً فأُنفقه في سبيل الله.
فقال أبوحفص عمر رضي الله عنه : أتمنى لو أنها مملوءة رجالاً مثل أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل وسالم مولى أبي حذيفة وحذيفة بن اليمان

You May Have Missed