إدارة الأعمال من منظور الاستدامة البيئية.. حين يصبح المناخ جزءًا من القرار الاقتصادي الحلقة الأولى
بقلم د. عمرو عبد العليم
بقلم د. رشا ربيع الجزار
لم يعد الاقتصاد يعمل بعيدًا عن تأثيرات المناخ، ولم تعد التكنولوجيا مجرد أداة لتحسين الإنتاج أو تسريع الخدمات.
فالعالم يدخل مرحلة جديدة تتقاطع فيها ثلاثة مسارات بصورة متزايدة: الاقتصاد، والمناخ، والتكنولوجيا.
هذا التقاطع لم يعد قضية مستقبلية يمكن تأجيلها، بل أصبح حاضرًا في تفاصيل النشاط الاقتصادي؛ من أسعار الطاقة وتوافر المياه والموارد، إلى حركة التجارة وسلاسل الإمداد، وأنماط الاستهلاك، وقرارات الاستثمار.
وفي هذا المشهد، يتغير مفهوم النجاح داخل عالم الأعمال. فالمؤسسة الأكثر قدرة على المنافسة ليست بالضرورة التي
تنتج أكثر فقط، وإنما التي تستطيع أن تستخدم مواردها بكفاءة، وتستوعب المخاطر الجديدة، وتستفيد من التكنولوجيا،
وتتحرك بمرونة أمام التحولات المناخية.
عندما يدخل المناخ إلى غرفة القرار
لفترة طويلة، كان التعامل مع المناخ يبدو وكأنه ملف يخص البيئة وحدها. لكن الواقع الاقتصادي أثبت أن ارتفاع درجات الحرارة،
وتغير أنماط الطقس،
وموجات الجفاف أو الأمطار الشديدة، واضطرابات الطاقة والمياه، يمكن أن تتحول جميعها إلى عوامل تؤثر في الإنتاج والتكلفة والاستثمار.
وهنا تصبح قراءة المخاطر المناخية جزءًا من قراءة السوق نفسه.
فالشركة التي تعتمد على مورد واحد، أو منطقة إنتاج معرضة لمخاطر مناخية، أو استهلاك مرتفع للطاقة والمياه، لا تواجه تحديًا
بيئيًا فحسب، بل تواجه أيضًا مخاطرة اقتصادية يمكن أن تؤثر في استمراريتها.
ومن هنا بدأت الاستدامة تنتقل من كونها مفهومًا بيئيًا إلى عنصر من عناصر التخطيط الاقتصادي.
التكنولوجيا تعيد تعريف القدرة على التنبؤ
إذا كان تغير المناخ يضيف طبقة جديدة من المخاطر، فإن التكنولوجيا تمنح الاقتصاد أدوات أكثر تطورًا للتعامل معها.
ويأتي الذكاء الاصطناعي في مقدمة هذه الأدوات، بما يملكه من قدرة على تحليل كميات ضخمة من البيانات وربط المتغيرات المختلفة واكتشاف الأنماط وبناء السيناريوهات.
فيمكن استخدام الأنظمة الذكية في تحليل استهلاك الطاقة، ورصد الهدر، والتنبؤ بالطلب، وتحسين حركة النقل، وتحليل سلاسل الإمداد، وتقييم احتمالات الاضطراب، ودعم الاختيارات الاستثمارية.
وهنا لا تكمن القيمة في التكنولوجيا ذاتها، وإنما في قدرتها على تحويل البيانات إلى معرفة، والمعرفة إلى خيارات أكثر دقة.
من إدارة الأزمات إلى صناعة الاستعداد
الفرق بين الاقتصاد التقليدي والاقتصاد الأكثر مرونة لا يكمن فقط في كيفية التعامل مع الأزمة، وإنما في القدرة على الاستعداد لها
قبل وقوعها.
فكلما امتلكت المؤسسة بيانات أفضل وأدوات تحليل أكثر تطورًا، أصبحت قادرة على بناء سيناريوهات متعددة بدلًا من انتظار نتيجة واحدة.
وهذه النقلة مهمة بصورة خاصة في ظل المناخ المتغير؛ لأن الخطر الواحد قد ينتقل تأثيره من قطاع إلى آخر. اضطراب الطاقة
قد يرفع تكلفة الإنتاج، وارتفاع التكلفة قد ينعكس على الأسعار، واضطراب النقل قد يؤثر في الإمدادات،
وكل ذلك قد يصل في النهاية إلى المستهلك.
لذلك لم يعد التخطيط الاقتصادي الحديث قادرًا على تجاهل المتغير المناخي.
الاستدامة.. اقتصاد أكثر كفاءة لا إنفاقًا أكثر
الاستدامة لا تعني بالضرورة أن تنفق المؤسسات أموالًا أكبر، بل قد تعني أن تنفق بصورة أكثر ذكاءً.
فترشيد الطاقة والمياه، وتقليل الفاقد، وإعادة استخدام الموارد، وتحسين كفاءة العمليات، وتقليل المخلفات، يمكن أن تحقق أهدافًا بيئية واقتصادية في الوقت نفسه.
وهنا تظهر إحدى أهم التحولات في مفهوم الاستدامة: الانتقال من النظر إليها باعتبارها التزامًا إضافيًا إلى اعتبارها وسيلة لتحسين الكفاءة وخفض التكلفة وتعزيز القدرة التنافسية.
ومع استخدام الذكاء الاصطناعي، يمكن قياس هذه التحسينات بصورة أكثر دقة، ومقارنة البدائل، ورصد الأداء بصورة مستمرة.
الحوكمة المناخية.. حين تصبح البيئة جزءًا من الاقتصاد
لا يكتمل هذا التحول من دون تغيير طريقة التفكير المؤسسي.
فالمناخ ينبغي أن يحضر في إدارة المخاطر، ودراسات الجدوى، والموازنات، والاستثمارات، والتخطيط طويل المدى، وليس فقط في تقارير المسؤولية المجتمعية.
وهنا تظهر أهمية الحوكمة المناخية؛ أي إدخال الاعتبارات المناخية والبيئية في صميم عملية صنع القرار، بما يضمن أن تكون المخاطر المستقبلية جزءًا من الحساب الاقتصادي منذ البداية.
وهذا يتطلب بدوره كوادر جديدة تستطيع الجمع بين فهم الاقتصاد والبيئة والتكنولوجيا، بدلًا من التعامل مع كل مجال باعتباره جزيرة منفصلة.
مصر.. فرصة لبناء نموذج يجمع الأخضر بالرقمي
في مصر، تزداد أهمية هذا التوجه في ظل ارتباط العديد من الأنشطة الاقتصادية بقضايا الطاقة والمياه والموارد والنقل والإنتاج.
ومن ثم، فإن الجمع بين التحول الأخضر والتحول الرقمي يمكن أن يفتح المجال أمام نموذج أكثر كفاءة وقدرة على مواجهة المخاطر، خصوصًا مع التوسع في استخدام التقنيات الحديثة وتحليل البيانات.
كما يمكن للجامعات ومراكز البحث العلمي أن تؤدي دورًا محوريًا في إعداد كوادر قادرة على فهم هذه العلاقة المركبة،
بحيث لا يصبح الاقتصاد والمناخ والتكنولوجيا تخصصات متجاورة فقط، بل مكونات مترابطة في رؤية واحدة للمستقبل.
البداية من هنا
إن الاقتصاد لم يعد يستطيع أن يتعامل مع المناخ باعتباره ملفًا خارجيًا، كما أن التكنولوجيا لم تعد مجرد أداة مساندة للنشاط الاقتصادي.
لقد أصبحت العلاقة بين الاقتصاد والمناخ والتكنولوجيا واحدة من أهم العلاقات التي ستحدد شكل الأسواق والمؤسسات والوظائف والاستثمارات خلال السنوات المقبلة.
ومن هنا تبدأ هذه السلسلة؛ للبحث في كيف يعيد هذا المثلث رسم ملامح الاقتصاد، وكيف يمكن للذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة أن تدعم التحول نحو اقتصاد أكثر كفاءة واستدامة ومرونة.
د. عمرو عبد العليم
دكتور إدارة الأعمال – كلية التجارة – جامعة الزقازيق
د. رشا ربيع الجزار
كاتبة علمية وصحفية وسفيرة مناخ




إرسال التعليق