فإذا صلوا نادى مناد ألا إن ربكم قد غفر لكم فارجعوا راشدين إلى رحالكم فهو يوم الجائزة ويسمى ذلك اليوم في السماء يوم الجائزة” رواه الطبرانى فى الكبير وضعفه الألبانى،
وهكذا فإن الصوم عبادة من أجلّ العبادات، وقربة من أشرف القربات، و طاعة مباركة، لها آثارها العظيمة والكثيرة،
والعاجلة والآجلة، من تزكية النفوس، وإصلاح القلوب، وحفظ الجوارح من الفتن والشرور.
وتهذيب الأخلاق، وفيها من الإعانة على تحصيل الأجور العظيمة، وتكفير السيئات المهلكة، والفوز بأعلى الدرجات،
وإن التكاليف الشرعية شاقة على الأبدان، مفرحة للنفوس وهذه القاعدة تنطبق على كل العبادات،
بل على كل الطاعات، بل على كل استجابة لله، والعبادات ذات كلفة،
سميت تكاليف لأنها في الأصل تتناقض مع الطبع، فالإنسان يحب أن يبقى نائما،
والتكليف أن يستيقظ، ويحب أن يمتع عينيه بمحاسن النساء،
والتكليف أن يغض البصر، ويحب أن يخوض فى فضائح الناس،
والتكليف أن يسكت، ويحب أن يأخذ المال، والتكليف أن ينفقه، فالتكاليف كلها مناقضة للطبع،
لكنها مطابقة للفطرة، فترتاح نفسك إذا أديت الفرائض،
وترتاح نفسك إذا كنت صادقا، وترتاح نفسك إذا كنت أمينا، ترتاح نفسك إذا أعنت أخاك، وإذا رحمته،
وإذا يسرت عليه، فكل أوامر الدين بعباداته ومعاملاته وفضائله.
إن طبقتها ارتاحت نفسك، فقال تعالى كما جاء فى سورة الروم
” فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التى فطر الناس عليها” أى هذا المنهج الإلهى يتطابق بأدق تفاصيله مع بنية النفس،
فإن التكاليف تتناقض مع جسم الإنسان، مع طبعه، مع غرائزه، مع شهواته، لكنها تتوافق مع نفسه، ذاته التي بين جنبيه، إذن الطاعات فيها مشقة أحيانا،
فيها تكليف، فيها تناقض مع جسم الإنسان، إن الطاعات تنقضى مشقتها، ويبقى أجرها،
وإن المعاصى تنقضى لذتها، و يبقى إثمها فالبطل ليس الذى يفرح أولا، بل الذى يفرح آخرا،
فليست البطولة أن تضحك أولا، وقد قيل من ضحك أولا ضحك قليلا،
و من ضحك آخرا ضحك كثيرا، كما قال تعالى فى سورة المطففين” فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون
” فإن بطولتك أن تضحك آخرا لا أن تضحك أولا، فإن الطفل حينما يولد كل من حوله يضحك، وهو يبكى وحده.
أما إذا وافته المنية كل من حوله يبكى، فإذا كان بطلا ومؤمنا وملتزما ومستقيما ومحسنا ضحك وحده، فيقول تعالى كما جاء فى سورة يس
” قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومى يعلمون” إذن فإن للصائم فرحتان يفرحهما، وهى صبيحة العيد، تأكل كما كنت تأكل قبل رمضان، طعام فطور، وطعام غداء، وطعام عشاء، عدت إلى طبيعتك، وقد كسبت أجر الصيام والقيام، وقد ارتقيت إلى الله عز وجل، أما الذى أفطر فى رمضان فيأكل فى العيد مع بقية الناس، ولكنه يأكل وقد فرط بهذه العبادة العظيمة التى لا يعدلها صوم الدهر لو صامه.