الجزاء من جنس العمل

 

بقلم / محمـــد الدكـــروري

جاء عن نبي الله موسى عليه السلام لما ورد ماء مدين، وجد عليه أمّة من الناس يسقون،

ووجد من دونهم امرأتين تذودان، فرفع الحجر عن البئر وسقى لهما،

حتى رويت أغنامهم، فقد رأى فتاتين عفيفتين طاهرتين، تتحاشيان الإختلاط بالرجال،

معهما أغنامهما، وعلى الرغم من أنه لا يعرفهما، وليس له حاجة عندهما،

فإنه رأى أنها فرصة لأن يكسب الأجر عند الله بقضاء حاجتهما، فسقى لهما، ثم بعد أن أنجز تلك المهمة، لم يطلب منهما أجرة ما عمل، أو إنتظر منهن كلمة شكر، إنما تولى إلى الظل ليستظل من قيظ الحر، إنه رسول من أولي العزم من الرسل، إنه كليم الله موسى، عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم، فتجد الجزاء الأوفى والأجر الأعظم وتجد الجزاء من جنس العمل لهذا النبي الكريم القوي الأمين فالقوة والأمانة جناحان طار بهما إلى عش الزوجية وإلى الأمان والإطمئنان والإستقرار.

 

فإن نتيجة قضاء حوائج المسلمين وكشف كرباتهم، أمان بعد الخوف ورزق بعد الفقر، وزوجة بعد العزوبة، وهذا جزاء في الدنيا حصل عليه نبي الله موسى عليه السلام، فكيف بجزاء الآخرة؟ وإن من كان في قضاء حاجة الناس أتظنون أنه يخيب؟ وأتظنون أنه يضيع؟ لا والله، ولذلك فإن قضاء حوائج الناس عبادة من أعظم العبادات التي تنفع الإنسان قبل أن تنفع غيره، فمن سار في قضاء حوائج الناس، قضى الله عز وجل حوائجه، فهذه هي السيد خديجة بنت خويلد رضي الله عنها تقول في وصف نبينا محمد صلى الله عليه وسلم “إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق” وأشرف الخلق محمد صلى الله عليه وسلم إذا سُئل عن حاجة لم يرد السائل عن حاجته، فيقول جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ” ما سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا قط فقال لا”

 

وعلى هذا النهج القويم سار الصحابة والصالحون فقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتعاهد الأرامل، فيسقي لهن الماء ليلا، وكان يسابق الصديق أبا بكر في خدمة العجوز الكفيفة، وكان أبو وائل رحمه الله يطوف على نساء الحي وعجائزه كل يوم، فيشتري لهن حوائجهن وما يصلحهن، وإن خدمة الناس وقضاء حوائجهم دليل الأصل الطيب، والمنبت النقي، والقلب الصافي، والسريرة الحسنة، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء، فإن لله أقوام يختصهم بالنعم لمنافع العباد، وجزاء التفريج هو تفريج كربات وكشف غموم في الآخرة، وهذا رجل من إراش له حق عند أبي جهل يماطل به، فجاء شاكيا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج معه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاء بيت أبي جهل، فضرب عليه بابه، فقال من هذا؟ قال محمد، فاخرج إليّ، فخرج إليه وما في وجهه من رائحة قد انتقع لونه.

 

فقال أعطي هذا الرجل حقه، قال نعم، لا تبرح حتى أعطيه الذي له، قال فدخل فخرج إليه بحقه فدفعه إليه، قال ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال للإراشي الحق بشأنك، فأقبل الإراشي حتى وقف على ذلك المجلس لقريش، فقال جزاه الله خيرا، فقد والله أخذ لي حقي، قال ثم لم يلبث أبو جهل أن جاء فقالوا له ويلك ما لك؟ والله ما رأينا مثل ما صنعت قط، قال ويحكم والله ما هو إلا أن ضرب عليّ بابي، وسمعت صوته فمُلئت رعبا، ثم خرجت إليه وإن فوق رأسه لفحلا من الإبل، ما رأيت مثل هامته ولا قصرته ولا أنيابه فحلا قط، والله لو أبيت لأكلني، ولقد جعل رسولنا المصطفي صلى الله عليه وسلم تقديم الخير والنفع للمسلمين من الصدقات، وهذه الصدقات منها ما ظاهره السهولة واللطف لكن أثره يتغلغل في أعماق النفس وقرار الوجدان فيه

زها هزا.

عن دكتوره مرفت عبد القادر

شاهد أيضاً

السلام وتوقير الكبير والتواضع له

500 71 بقلم / محمـــد الدكـــروري يقول تعالى ” ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان …