الحمد لله رب العالمين خلق فقدر وملك فدبّر، سبّحت له السماوات وأملاكها، والنجوم وأفلاكها، والرياح وذرّاتها، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
أظهر الأدلة على وحدانيته وجلّاها، وتوعّد الغافلين بالنار ولظاها،
وأشهد أن نبينا محمدا عبد الله ورسوله، خير البرية وأزكاها، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، والتابعين لهم ومن تبعهم بإحسان وإيمان إلى يوم الدين
أما بعد لقد إتفقت الإنسانية على صد ومقاومة وتنظيم وتأطير كل العوامل المؤدية إلى بيئة ذات هواء ملوث وغير نقي، أي غير ملائم لحياة الإنسان السليمة والصحية والطبيعية، ولكن ما أود طرحه وبسطه من زاوية هذه المسألة هو تلك العلاقة بين الهواء أو نوعيته وبين الإنسان من حيث إن الإنسان لا حياة له دون هواء نقي سليم، وكذلك محيطه وبيئته.
وكيف أن الإنسان يمتلك قدرة تمكنه من تحديد مدى نقاء الهواء من عدمه، بمعنى القدرة على التمييز بين الهواء الملوث والهواء النقي،
مما يمكنه من تجنبه، والسعي إلى البيئة ذات الهواء السليم النقي غير الملوث، وأيضا ما تجدر ملاحظته من زاوية هذه المسألة
هو تميز نعمة الهواء بالتجدد والإنبثاق الذي يمكن من تحويل بيئة ذات هواء ملوث إلى بيئة ذات هواء نقي وصافي، بمجرد القضاء أو التقليص من مسببات ذلك التلوث، إذن مسألة نظر الإنسان إلى نوعية الهواء، وإهتمامه بها، ومراقبته لها قد تكون دافعا له لتعميق النظر والتأمل والتفكير في نعمة الهواء وكيفية تنظيم علاقته بها، وهو أمر قد يؤدي بالإنسان إلى النظر إلى هذا الخلق ودقته وعظمته وترابطه، وما يستتبعه من سبل التفكر والإستنتاج، وهنا عودة إلى الذاريات والذر.
وقد ورد في مختار الصحاح تحت مادة ذرر كلمة الذر، وهي جمع “ذرّة” وهي أصغر النمل، ومنه سمي الرجل “ذرّا” وكني أبو ذر، ولا يوجد مصطلح واحد يعبر عن تلك الأشياء وغيرها من المواد الدقيقة الحجم سوى الذي ورد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما لا وهو الذي أوتي جوامع الكلم؟ والمصطلح الجامع لذلك هو كلمة الذر، وتحت هذا المصطلح تضم كل المواد الدقيقة من غبار وتراب، وسناج، والهباءات، وعادم وسائل المواصلات، والسحابة السوداء وغيرها من السحائب، والدخان بأنواعه، والأبخرة بأنواعها، وللذر نفع وضرر، ومن نفعه أن أجسادنا تبنى من الذر، ونحن نستنشق الذر وأحيانا نأكله، ومن الذر نشأت السماوات والأرض، وحتى لا تثير الجملة تلك العجب أبادر فأوضح أن الغبار البينجمي هو في الحقيقة ذر.
ويمثل ذلك الغبار حضانة للنجوم، من تكاثفه تولد النجوم، ومن موت النجوم تنطلق نفثات تغذي الوسط البينجمي، وذر ما بين النجوم دقيق جدا في أحجامه، وقد إستطاع العالم جرينبرج وهو أحد صائدي غبار ما بين النجوم من تمييز ثلاثة أحجام من الغبار البينجمي، أكبرها يقارب حجم الجسيمات في دخان السيجارة يبلغ عرضها نحو اثنين من عشرة ميكرون، ويساوي طولها ضعف عرضها، وأثبت جرينبرج أن الحُبيبة من غبار ما بين النجوم تتعرض لدورة تدوم مائة مليون سنة وتتكرر نحو خمسين مرة قبل تحطم الحُبيبة وبهذا ثبت أن الغبار بين النجوم يعد مصدرا رئيسيا للمعلومات عن ولادة النجوم، وقد يكون حاملا للدلالات عن أصل الحياة ذاتها، فالمجرات إذا كانت ذرا، والنجوم ومنها الشمس كانت ذرا أيضا، وكذلك الأرض وبقية الكواكب والأقمار.
وأقصد بالذر هنا الدخان، مصداقا لقوله تعالى ” ثم استوي إلي السماء وهي دخان فقال لها وللأرض أئتيا طوعا أو كرها قالتا آتينا طائعين ” فلولا الذر ما كانت هناك سموات ولا أرض لأنهما من دخان، ولولا الغبار لتقلصت السحب وما أمطرت لغياب نويات التكاثف التي تتكون من الذر أي من هباءات الغبار، ورزاذ ماء البحر، وذر البراكين، وخلافه من الجسيمات الدقيقة من الذر، ولولا الذر ما صار النهار مبصرا لأن الذر يمثل عيون النهار اللا نهائية العدد التي تعكس وتشتت ضوء الشمس، فتسلخ النهار من ظلمة الكون، حيث يقول الله تعالى ” هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا ” ويقول تعالي أيضا ” وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون “