المؤمن الحقيقي في هذه الحياة

بقلم محمد الدكروري

المؤمن الحقيقي في هذه الحياة يدرك يقينا أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وهذا ما يجعله يتقلب بين مقام الشكر حال السراء، ومقام الصبر حال الضراء، فيطمئن قلبه بأن كل ما قضاه الله عز وجل هو خير له، وإن الكسب بقدر الكفاية لنفسه وعياله، وقضاء دينه، ونفقة من يجب عليه نفقته فرض من الفروض ولا يجوز للقوي القادر أن يجلس، أو يسأل الناس، وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال “إن أطيب ما أكلتم من كسبكم” رواه الترمذي، وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال “خير الكسب كسب العامل إذا نصح” رواه أحمد، ولقد سمى فقهاؤنا رحمهم الله حاجات الأمة من الأعمال والصنائع والحرف فروض كفايات، وهي تشمل حراسة الأمن، ودواوين القضاء، وإجادة الأعمال، وإمتهان الحرف، وكل ما فيه عمران الأمة صنوف متعددة لا يحسنها كل أحد.
ولا يقوى عليها كل أحد، ولكن يحتاج إليها كل أحد، إنما هي مواهب وقدرات، وهمم متفاوتة، قسمها الله بين خلقه، ليتخذ بعضهم بعضا سخريا، وإن العبد المسلم مع ربه مؤمن به، وثيق الصلة به عز وجل، دائم الذكر له سبحانه وتعالي، متوكل عليه حق التوكل، واقف عند حدوده، ممتثل لأمره، منتهى عن نهيه، راضى بقضائه وقدره، يضع نصب عينيه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم”عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، ولا يكون ذلك إلا للمؤمن” فكل همه مرضاة ربه، يبغي بأعماله وجه الله، محقق للهدف الذي وجد له وهو قوله تعالى كما جاء فى فى سورة الذاريات ” وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون” إنه لن تقوم لنا قائمة إلا إذا أحب بعضنا بعضا، وإلا إذا بذل بعضنا لبعض، المسلمون أسرة واحدة، لا يهنأ واحد إذا كان الطرف الآخر في ضيق.
وهذا طبق نظام الأسرة المتواضع على مجموع المؤمنين فإن الحياة تعاون، والحياة بذل، والحياة تضحية، والإنسان كلما كان أشد مواساة لأخوانه, كلما كان أقرب عند الله، أو بالعكس، كلما ازداد إيمانه, اشتدت مواساته لأخوانه، فإن الإسلام حركة, والإسلام عمل، والإسلام بذل، والإسلام عطاء، هكذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن للفقر لوعته وللعوز حرقته، وكم هي مُرة تلك الآلام والحسرات التي يشعر بها ذلك الفقير المعدم، حين يرمي بطرفه صوب بيته المتواضع المملوء بالرعية والعيال، وهم جياع لا يجدون ما يسد جوعتهم، ومرضى لا يجدون من يعالجهم، كم من مدين أرهق ظهره ثقل الدين، وناء جسده عن تحمل هذا الهم المؤرق، كم من فقير ضاقت به الدنيا وانسدت في وجهه أبواب الرزق، لولا بقية باقية من الأمل والرجاء فيما عند الله عز وجل، فإن السعادة هدف منشود، ومطلوب جميل يسعى إليه البشر جميعا.
بل كل مخلوق يسعى لما فيه راحته وأنسه، وللسعادة أبواب ومفاتيح تستجلب بها، وهي كثيرة، فمنها تقوى الله عز وجل ومراقبته في السر والعلانية، والقيام بما أوجب الله تعالى من حقوقه، وحقوق عباده، وهناك باب من أبواب السعادة وتحصيل الأنس، يغفل عنه كثير، وهو سهل المنال، قريب المأخذ، وعاقبته جميلة، وأثره سريع، فما هو يا ترى؟ إنه الإحسان إلى الناس، وتقديم الخدمة لهم بما يستطاع، فالخلق عيال الله، وأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله، وإعلموا أن الصدقة لترفع بإذن الله تعالى الأمراض والأعراض من مصائب و بلايا وقد جرب ذلك الموفقون من أهل الله فوجدوا العلاج الروحي أنفع من العلاج الحسي وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعالج بالأدعية الروحية والإلهية وكان السلف الصالح يتصدقون على قدر مرضهم وبليتهم فلا يلبثون قليلا حتى يعافيهم الشافي المعافي الكريم الرحيم جل جلاله، فلا تبخل على نفسك إن كنت ذا مال ويسار.
وحتى لو كنت فقيرا فتصدق ولو بجنيه واحد بنية شفائك أو شفاء مريضك شريطة أن تكون عظيم الثقة بربك حتى يكون الشفاء أكمل وأتم، وإن الإحسان إلى الخلق من تمام الإحسان في عبادة الله، فسبب دخول الناس سقر، هو تركهم الصلاة وتركهم الإحسان إلى الخلق بإطعام المسكين، وقد اقتضت حكمة الله تعالى أن تنوعت أرزاق العباد وإختلفت، والناس متفاوتون من حيث الغنى والفقر والمسلم إن اغتنى شكر، وإن افتقر صبر، وعلم أن ذلك ابتلاء من الله تعالى له، وليس ذلك إلا للمؤمن.

إرسال التعليق

You May Have Missed