اعلموا يا عباد الله أن الصلاة مكيال والصيام مكيال فمن وفاها وفى الله له، ومن طفف فيهما
فويل للمطففين، أما يستحي من يستوفي مكيال شهواته،
ويطفف في مكيال صيامه وصلاته؟ فإذا كان الويل لمن طفف في مكيال الدنيا،
وهذا الويل لمن طفف، فكيف حال الذى فرط بالكلية؟ كيف حال الذى لم يقم ولم يصم
وهم أعداد ممن ينتسبون إلى الإسلام؟ ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم “من أدركه
رمضان فلم يغفر له، فأبعده الله” وقالها جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم
ثم قال له قل آمين، فقلت آمين، وهو دعاء عليه بالإبعاد عن رحمة الله والطرد عنها، لأن ذلك الشهر قد مر ولم يستفد منه لأن ذلك الموسم العظيم قد حصل ولم ينهل منه، لم ينتهز الفرصة فتبا له، وإذا كان لم ينتهز الفرصة العظيمة فهو لإهمال ما هو أدنى منها من باب أولى، أى إذا فرط في رمضان فتفريطه في غير رمضان من باب أولى.
ولذلك أبعده الله لأنه لا يستحق أجره، ولا يستحق الرحمة ولا المغفرة، ولا شك أيها المسلمون أننا قد حصل منا تطفيف بالصيام والقيام، وقد حصل منا إخلال بآداب الصوم الواجبة والمستحبة، فإن الفائزين في رمضان، كانوا في نهارهم صائمون وفي ليلهم ساجدون بكاء خشوع وفي الغروب والأسحار تسبيح وتهليل وذكر وإستغفار ما تركوا بابا من أبواب الخير إلا ولجوه ولكنهم مع ذلك قلوبهم وجله وخائفة، لا يدرون هل قبلت أعمالهم أم لم تقبل ؟ وهل كانت خالصة لوجه الله أم لا ؟ فإن المعول على القبول لا على الإجتهاد والإعتبار ببر القلوب وطهارتها، لا بعمل الأبدان، رُب قائم حظه من قيامه التعب والسهر، كم من قائم محروم، ونائم مرحوم، هذا نائم وقلبه ذاكر، وهذا قائم وقلبه فاجر، لكن العبد مأمور بالسعي في إكتساب الخيرات، والإجتهاد في الأعمال الصالحات والإنزجار عن المكروهات، وأعمال السيئات.
وكل ميسر لما خلق له، أما أهل السعادة فيُيسرن لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فيُيسرون لعمل أهل الشقاوة، فالمبادرة المبادرة، إلى إغتنام العمل فيما بقي من الشهر، فعسى أن تدرك ما فات من ضياع العمر، فإن الصيام وسائر الأعمال من وفاها فهو من خيار عباد الله الموفين، ومن طفف فيها فويل للمطففين، إذا كان الويل لمن طفف ميكال الدنيا فكيف حال من طفف ميكال الدين؟ فيا أيها العاصي وكلنا كذلك لا تقنط من رحمة الله لسوء أفعالك، فكم في هذه الأيام من معتق من النار، من أمثالك؟ فأحسن الظن بمولاك وتب إليه، فإنه لا يهلك على الله إلا هالك، والاستغفار ختام الأعمال الصالحة كلها، فتختم به الصلاة والحج وقيام الليل، وتختم به المجالس، فإن كانت ذكرا، كان كالطابع عليها، وإن كانت لغوا كان كفارة لها فكذلك ينبغي أن يُختم صيام رمضان بالاستغفار، فكتب عمر بن عبدالعزيز إلى الأمصار.
يأمرهم بختم رمضان بالاستغفار وصدقة الفطر فإن صدقة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، والاستغفار يرقع ما تخرق من الصيام باللغو والرفث، ولقد رحل رمضان ورحيله مر على الجميع، الفائزين والخاسرين، الرحيل مر على الفائزين لأنهم فقدوا أياما ممتعة، وليالي جميلة، نهارها صدقة وصيام، وليلها قراءة وقيام، نسيمها الذكر والدعاء، وطيبها الدموع والبكاء، شعروا بمرارة الفراق فأرسلوا العبرات والآهات، كيف لا وهو شهر الرحمات، وتكفير السيئات، وإقالة العثرات؟ كيف لا والدعاء فيه مسموع، والضر مدفوع، والخير مجموع؟ كيف لا نبكي على رحيله ونحن لا نعلم أمن المقبولين نحن أم من المطرودين؟ كيف لا نبكي على رحيله ونحن لا ندري أيعود ونحن في الوجود أم في اللحود؟ فإن الفائزون من خشية ربهم مشفقون نعم، هم فائزون ولكنهم من خشية ربهم مشفقون.
على رغم أنهم في نهاره في صيام وقراءة قرآن وإطعام وإحسان، وفي ليله سجود وركوع وبكاء وخشوع، وفي الغروب والأسحار تسبيح وتهليل وذكر واستغفار، فإن الفائزون شمروا عن سواعد الجد فاجتهدوا واستغفروا وأنابوا ورجعوا، ما تركوا بابا من أبواب الخير إلا ولجوه، ولكن مع ذلك كله، قلوبهم وجلة خائفة بعد رمضان، أقبلت أعمالهم أم لا؟ أكانت خالصة لله أم لا؟ أكانت على الوجه الذي ينبغي أم لا؟