بين الفن والسياسة… كيف يقرأ المشاهد فيلم “أسد”؟
بقلم أشرف ماهر ضلع
في كل عملٍ فني كبير، لا يتوقف الجمهور عند حدود الصورة والمشهد والحوار، بل يبدأ في البحث عمّا وراء الكاميرا؛
عن الرموز، والإسقاطات، والرسائل التي قد تختبئ بين السطور كما تختبئ النار تحت الرماد.
وهكذا جاء الحديث حول فيلم “أسد” للفنان محمد رمضان،
ذلك العمل الذي أثار منذ الإعلان عنه حالةً من الجدل والتأويل، ليس فقط بسبب طابعه التاريخي والملحمي،
بل لأن المشاهد العربي بات يقرأ الفن بعينٍ سياسية بقدر ما يقرأه بعينٍ فنية.
فالعمل الذي يدور حول عبدٍ يقاتل من أجل الكرامة والحب والحرية، فتح أبوابًا واسعة للتساؤلات:
هل نحن أمام قصة إنسانية خالصة؟
أم أمام عمل يحمل إسقاطات سياسية مرتبطة بواقع المنطقة وما تعيشه من أزمات وصراعات وتحولات اجتماعية؟
الفن حين يتحول إلى مرآة للواقع
السينما ليست مجرد ترفيه، بل هي مرآة ضخمة تعكس مخاوف المجتمع وأحلامه وأسئلته المؤجلة.
ولهذا فإن أي عمل يتناول فكرة “الحرية” أو “العبودية” أو “الصراع على الأرض والهوية” يصبح تلقائيًا قابلًا للتأويل السياسي، خاصة في زمنٍ تمتلئ فيه المنطقة العربية بقضايا الهجرة واللجوء والصراعات الحدودية والانقسامات الاجتماعية.
وقد رأى بعض المتابعين أن الفيلم يمكن قراءته باعتباره عملًا يتناول قضية الإنسان الباحث عن حقه في الحياة والكرامة، بينما ذهب آخرون إلى أبعد من ذلك، فحاولوا ربط بعض رموزه بالواقع السياسي الحالي، خاصة مع حساسية ملف اللاجئين والتغيرات الديموغرافية في المنطقة.
لكن السؤال الأهم يبقى:
هل كل رمزٍ في الفن يحمل مشروعًا سياسيًا خفيًا؟
القراءة الفنية… حين يكون الإنسان هو البطل
من الزاوية الفنية، يبدو “أسد” أقرب إلى الحكايات الإنسانية الكبرى التي تقوم على ثنائية القهر والمقاومة.
فالبطل هنا لا يقاتل لأنه سياسي أو صاحب مشروع أيديولوجي، بل لأنه إنسان يرفض أن يُسلب حقه في الحب والكرامة والحياة.
والدراما عبر التاريخ اعتمدت دائمًا على هذه الفكرة؛ الإنسان البسيط الذي يجد نفسه في مواجهة منظومة ظالمة، فيتحول تدريجيًا من فردٍ يبحث عن النجاة إلى رمزٍ للمواجهة.
وفي هذا السياق، يصبح “الابن” داخل القصة رمزًا للمستقبل، بينما تصبح “الحرية” الحلم الأكبر الذي يدفع البطل إلى المواجهة.
وهنا تكمن قوة العمل الفنية؛ إذ يجعل المشاهد يتعاطف مع البطل بوصفه أبًا وإنسانًا قبل أن يراه ثائرًا أو متمردًا.
القراءة السياسية… بين التأويل والمبالغة
المشكلة أن المجتمعات التي تعيش قلقًا سياسيًا دائمًا تميل إلى تحميل الفن أكثر مما يحتمل.
فيتحول المشهد البسيط إلى “رسالة”، والحوار العابر إلى “شفرة”، والرمز الإنساني إلى “مشروع سياسي” كامل.
ومن هنا ظهرت قراءات تعتبر أن العمل قد يحمل دلالات مرتبطة بفكرة “الحق في الأرض” أو “توريث الأوطان” أو إعادة تشكيل الوعي تجاه بعض القضايا الشائكة.
لكن هذه القراءات تظل في إطار التأويل الشخصي ما لم يخرج صناع العمل بتصريحات مباشرة تؤكد هذا المقصد.
فالفرق كبير بين أن يفتح العمل باب التفكير السياسي، وبين أن يكون أداة دعائية لفكرة بعينها.
هل أصبح المشاهد العربي أكثر حساسية؟
ربما تكشف هذه الحالة عن أمرٍ أعمق من الفيلم نفسه؛ وهو أن المشاهد العربي لم يعد يستهلك الفن ببراءةٍ كاملة كما كان في السابق.
فالواقع المليء بالصراعات جعل الجمهور يفتش دائمًا عن الرسائل المخفية، وكأن الثقة بين المتلقي والصورة أصبحت مهزوزة.
وهذا أمر مفهوم في زمنٍ أصبحت فيه السينما والدراما جزءًا من أدوات التأثير الثقافي والسياسي حول العالم، لكن الخطورة تكمن في تحويل كل عمل فني إلى “نظرية مؤامرة”، لأن ذلك قد يفقد الفن قدرته على التعبير الإنساني الحر.
الفن الحقيقي يترك الباب مفتوحًا
ربما تكون قيمة الأعمال الكبرى أنها لا تقدم إجابات جاهزة، بل تترك للمشاهد مساحة للتفكير والاختلاف.
فقد يرى شخصٌ في “أسد” قصة أبٍ يحارب من أجل ابنه، بينما يراه آخر حكاية شعب يبحث عن الحرية، ويراه ثالث مجرد فيلم أكشن تاريخي بطلُه رجلٌ يرفض الانكسار.
وهنا تنتصر السينما؛ لأنها تجعل كل مشاهد يقرأ العمل بمرآة واقعه ومخاوفه وأحلامه الخاصة.
وفي النهاية، يبقى الفن مساحة للتأمل لا للمحاكمات السريعة، ويبقى الفرق ضروريًا بين قراءة الرموز قراءةً واعية، وبين تحويل كل صورة على الشاشة إلى اتهامٍ سياسي جاهز.
فالسينما الحقيقية لا تفرض عليك رأيًا واحدًا… بل تتركك تتجادل مع نفسك طويلًا بعد نهاية الفيلم.




إرسال التعليق