×

جلد الحمار… من فلسطين إلى أوروبا عبر بوابة الاحتلال: تجارة في الظل

 

تقرير علياء الهوارى

في عالم يعج بالاستغلالات الخفية والصفقات المريبة، تبرز تجارة تبدو هامشية للبعض لكنها تحمل بين طياتها دلالات خطيرة على الجشع البشري واستغلال الشعوب الضعيفة. إنها تجارة جلود الحمير، التي باتت سلعة مطلوبة في الأسواق الدولية، وخاصة الأوروبية، بعد تصاعد الطلب على مادة “إيجياو” المستخدمة في الطب التقليدي والتجميل.

والمثير للقلق أن أصابع الاتهام بدأت تشير إلى إسرائيل كوسيط مركزي في هذه التجارة، حيث يُقال إن الاحتلال لا يكتفي بمصادرة الأراضي والموارد في فلسطين، بل وصل إلى سرقة الحيوانات وتصدير جلودها، مما يفتح بابًا واسعًا للجدل حول أخلاقيات الاحتلال واستغلاله الاقتصادي

قد يبدو الحديث عن “جلد الحمار” مثيرًا للسخرية للوهلة الأولى، لكنه في الواقع سلعة تدر ملايين الدولارات سنويًا، خصوصًا في السوق الآسيوية، وتحديدًا في الصين، التي تُعد المستهلك الأكبر لمادة تسمى “إيجياو”، وهي مادة هلامية تُستخرج من جلود الحمير وتستخدم في الطب الصيني التقليدي لعلاج الأنيميا وتعزيز الدورة الدموية، وحتى في بعض منتجات التجميل.
بسبب هذا الطلب الهائل، ارتفعت أسعار جلود الحمير عالميًا، وبدأت شبكات تهريب وتجارة تتشكل في دول أفريقية وآسيوية… وهنا ظهر الدور الإسرائيلي

رغم شح المعلومات الرسمية،

إلا أن العديد من التقارير الإخبارية والميدانية تحدثت عن نشاط تجاري غير شفاف تقوم به شركات إسرائيلية تعمل في مجال تصدير الجلود، يُشتبه في أن بعضها يعيد تدوير جلود الحمير التي يتم جمعها من المناطق الفلسطينية أو من دول أفريقية فقيرة، ثم يُعاد تصديرها إلى أوروبا تحت غطاء جلود حيوانات أخرى أو لاستخدامات صناعية.
ومن خلال تتبع حركة بعض الشركات والموانئ، تبين أن هناك شحنات جلود تمر عبر الموانئ الإسرائيلية متجهة إلى دول أوروبية، مثل ألمانيا وهولندا، حيث تُستخدم في صناعات دوائية وتجميلية.

في قطاع غزة، الذي يعاني من حصار خانق وانهيار اقتصادي، أصبحت الحمير جزءًا من المشهد اليومي، سواء في التنقل أو الأعمال الزراعية. غير أن تقارير محلية أشارت إلى انخفاض مفاجئ في أعداد الحمير خلال السنوات الأخيرة، وسط مزاعم بأن الاحتلال قام بجمع عدد منها خلال حملات عسكرية أو من مناطق حدودية، ونقلها خارج القطاع دون تفسير واضح.
بعض النشطاء يربطون هذه الظاهرة بتقارير عن استغلال جلود هذه الحمير في التجارة الدولية، رغم غياب أدلة قاطعة. لكن السؤال المشروع الذي يطرحه كثيرون هو: هل يعقل أن تكون إسرائيل قد حولت حتى الحيوانات إلى وسيلة ربح في ظل الاحتلال؟

ما يُعزز المخاوف من صحة هذه المزاعم هو ما حدث في دول مثل نيجيريا وكينيا وإثيوبيا، حيث ارتفعت معدلات ذبح الحمير بشكل مخيف لتلبية الطلب الصيني، لدرجة أن بعض الحكومات منعت تصدير جلود الحمير حفاظًا على الثروة الحيوانية.
وفي بعض الحالات، ثبت تورط شبكات إسرائيلية صينية مشتركة في عمليات شراء ونقل جلود من هذه الدول عبر موانئ قريبة من إسرائيل أو تابعة لها، ما يعزز الاشتباه في وجود دور إسرائيلي فعال في سلسلة التصدير.

رغم وضوح المسار التجاري، لا تزال الجهات الأوروبية تغض الطرف عن التحقيق في أصل هذه الجلود، خاصة أن جلود الحمير تدخل ضمن فئة الجلود الصناعية أو الزراعية، ولا تخضع لرقابة صارمة.
وتُطرح هنا تساؤلات أخلاقية:
هل تدرك الشركات الأوروبية أنها قد تكون تشتري جلودًا مصدرها أراضٍ محتلة أو شعوب مقهورة؟
وهل هناك رقابة على الطريقة التي يتم بها جمع هذه الجلود والتأكد من أنها لا تأتي عبر الاحتلال والاستغلال؟

ما يجب التوقف عنده، هو أن هذه التجارة – وإن كانت تبدو بسيطة – تكشف عن وجه آخر للاحتلال الإسرائيلي: ليس فقط السيطرة بالقوة، بل تحويل الواقع الفلسطيني إلى فرصة ربحية.
فمن المياه التي تُسرق، إلى الأراضي التي تُنهب، والآن الحديث عن الحيوانات التي تُصادر، يبدو أن كل ما على هذه الأرض معرض لأن يتحول إلى مورد اقتصادي يخدم دولة الاحتلال، فيما يعاني السكان الأصليون الفقر والحصار

نشطاء فلسطينيون طالبوا المؤسسات الحقوقية بالتحقيق في الموضوع، خصوصًا في ظل غياب الرقابة البيطرية على ما يتم تصديره من المناطق المحتلة. كما طالبوا بكشف أسماء الشركات الإسرائيلية التي تتعامل في هذه التجارة، وبتحقيق دولي حول أصل الجلود التي تصل إلى أوروبا.
القلق الأكبر يتمثل في أن هذه التجارة قد تُخفي ورائها أنشطة أكثر خطورة: كالتجارب العلمية، أو التجارة السوداء المرتبطة بصناعات غير أخلاقية.
ما يحدث ليس مجرد تصدير لجلود الحمير، بل هو تكثيف رمزي لواقع الاحتلال؛ حيث يُسلب الإنسان حقه، ويُستغل الحيوان في صمت، وتُباع الكرامة في الأسواق الدولية دون أن يرف لأحد جفن.
من غزة إلى الموانئ الأوروبية، تمر جلود ضحايا صامتين في حقائب التجارة القذرة، تاركة وراءها سؤالًا عالقًا:
إلى متى سيظل العالم شريكًا في استباحة الأرض وما عليها

You May Have Missed