حضارة تمزج بين العقل والروح
بقلم / محمـــد الدكـــروري
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا،
من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أما بعد ذكرت المصادر التاريخية الكثير عن الحضارة الإسلامية،
ولقد إهتمت الحضارة الإسلامية بالنواحي الدينية، فكانت الحضارة الإسلامية حضارة تمزج بين العقل والروح فامتازت عن كثير من الحضارات السابقة،
فالإسلام كدين عالمي يحض على طلب العلم ويعتبره فريضة على كل مسلم ومسلمة، لتنهض أممه وشعوبه،
فأي علم مقبول باستثناء العلم الذي يخالف قواعد الإسلام ونواهيه، والإسلام يكرم العلماء ويجعلهم ورثة الأنبياء، وتتميز الحضارة الإسلامية بالتوحيد والتنوع العرقي في الفنون والعلوم والعمارة طالما لا تخرج عن نطاق القواعد الإسلامية.
لأن الحرية الفكرية كانت مقبولة تحت ظلال الإسلام، وكانت الفلسفة يخضعها الفلاسفة المسلمون للقواعد الأصولية مما أظهر علم الكلام الذي يعتبر علما في الإلهيات، فترجمت أعمالها في أوروبا وكان له تأثيره في ظهور الفلسفة الحديثة، وتحرير العلم من الكهنوت الكنسي فيما بعد، مما حقق لأوربا ظهور عصر النهضة بها، لهذا لما دخل الإسلام هذه الشعوب لم يضعها في بيات حضاري ولكنه أخذ بها ووضعها على المضمار الحضاري لتركض فيه بلا جامح بها أو كابح لها، وكانت مشاعل هذه الحضارة الفتية تبدد ظلمات الجهل وتنير للبشرية طريقها من خلال التمدن الإسلامي، فبينما كانت الحضارة الإسلامية تموج بديار الإسلام من الأندلس غربا لتخوم الصين شرقا في عهد الدولة الأموية كانت أوروبا وبقية أنحاء المعمورة تعيش في جهل وظلام حضاري.
ولقد روي عن مالك بن ضغيم قال جاء رباح القيسي يسأل عن أبي بعد العصر، فقلنا إنه نائم، فقال ” أنوم هذه الساعة ؟ أهذا وقت نوم ؟ ثم ولى منصرفا فأتبعناه رسولا فقلنا قل له ألا نوقظه لك ؟ قال فأبطأ علينا الرسول ثم جاء وقد غربت الشمس فقلنا أبطأت جدا فهل قلت له ؟ قال هو أشغل من أن يفهم عني شيئا أدركته وهو يدخل المقابر وهو يعاتب نفسه وهو يقول أقلت أنوم هذه الساعة ؟ أفكان هذا عليك ؟ ينام الرجل متى شاء وقلت هذا وقت نوم ؟ وما يدريك أن هذا ليس وقت نوم تسألين عما لا يعنيك وتكلمين بما لا يعنيك أما إن لله علي عهدا لا أنقضه أبدا لا أوسدك الأرض لنوم حولا إلا لمرض جاء بك أو لذهاب عقل زائل سوءة لك سوءة لك أما تستحين كم توبخين وعن غيك لا تنتهين” قال وجعل يبكي وهو لا يشعر بمكاني فلما رأيت ذلك انصرفت وتركته”
ولقد إمتدت الحضارة الإسلامية القائمة بعدما أصبح لها مصارفها، وروافدها لتشع على بلاد الغرب وطرقت أبوابه، فنهل منها معارفه وبهر بها لأصالتها المعرفية والعلمية، مما جعله يشعر بالدونية الحضارية، فثار على الكهنوت الديني ووصاية الكنيسة وهيمنتها على الفكر الإسلامي حتى لا يشيع، لكن رغم هذا التعتيم زهت الحضارة الإسلامية وشاعت، وانبهر فلاسفة وعلماء أوروبا من هذا الغيث الحضاري الذي فاض عليهم، فثاروا على الكنيسة وتمردوا عليها وقبضوا على العلوم الإسلامية كمن يقبض على الجمر خشية هيمنة الكنيسة التي عقدت لهم محاكم التفتيش والإحراق ولكن الفكر الإسلامي تمكن منهم وأصبحت الكتب الإسلامية التراثية، والتي خلفها عباقرة الحضارة الإسلامية فكرا شائعا ومبهرا، وظهرت مدن تاريخية في ظلال الحكم الإسلامي كالكوفة وحلب والبصرة وبغداد.
ودمشق والقاهرة والرقة والفسطاط والعسكر والقطائع والقيروان وفاس ومراكش والمهدية، والجزائر وغيرها، كما خلفت الحضارة الإسلامية مدنا متحفية تعبر عن العمارة الإسلامية كإسطنبول بمساجدها ودمشق والقاهرة بمبانيها الإسلامية وحلب وبخارى وسمرقند ودلهي وحيدر أباد وقندهار وبلخ وترمذ وغزنة وبوزجان وطليطلة وقرطبة وإشبيلية ومرسية وسراييفو وأصفهان وتبريز ونيقيا وغيرها من المدن الإسلامية، ألا وصلوا وسلموا على خير خلق الله نبينا محمد، فقد أمرنا بذلك ربنا، فاللهم صلي على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك
حميد مجيد.














