دكتور ياسر حسان يكتب المانيا انتصار للديمقراطية وهزيمة جديدة للشعبوية في أوروبا
دكتور ياسر حسان يكتب المانيا انتصار للديمقراطية وهزيمة جديدة للشعبوية في أوروبا
بقلم دكتور ياسر حسان
انتهت تجربة الانتخابات الألمانية بتكوين ائتلاف حاكم جديد بعيداً عن حزب انجيلا ميركل. تشكيل الحكومة الجديدة يعد انتصارا للديمقراطية وهزيمة أخري لليمن والشعبويين في أوروبا. انتصاراً للديمقراطية لأن تشكيل الحكومة الجديدة استغرق شهرين فقط بعد الانتخابات، في الوقت الذي لا تزال الأحزاب في هولندا تتفاوض رغم مرور ثمانية أشهر على الانتخابات. وهزيمة للشعبويين لإن الائتلاف الحكومي القادم في ألمانيا بزعامة “أولاف شولتز” أكد على نحو مفاجئ على فتح الباب واسعا أمام المهاجرين إلى ألمانيا عبر الطرق الشرعية. من أجل تجاوز مشكلة النقص في العمالة المتخصصة. صحيح أن حكومة انجيلا ميركل لم تكن تعادي الهجرة واستقبلت لاجئين ومهاجرين لأسباب إنسانية، لكن الحكومة الجديدة كانت أكثر جرأة، فعلى الرغم من حساسية موضوع اللجوء والهجرة واستغلاله سياسيا في الوقت الحالي من قوى اليمني الشعبوي والمتطرف في عموم أوروبا، فإن الاتفاق يفتح أبوابا أوسع للهجرة بشكل منظم عبر السفارات والمؤسسات الألمانية المعنية وبعيدا على العشوائية والاتجار بالبشر واجتياز الحدود سرا، وغيرها من الطرق اللاشرعية. وسوف يؤدي ذلك الي إلغاء حظر العمل على الذين يعيشون في ألمانيا وفسح المجال أمامهم لتعلم اللغة والاندماج والحصول على الجنسية الألمانية بشكل أسهل وأبسط من خلال تقليص الاجراءات البيروقراطية الألمانية المعقدة والمنفرة.
الانتخابات الألمانية كانت صعبة ولم تفرز تقدم واضح لأي كتل حزبية. لكن في النهاية خسر حزب العملاقة أنجيلا ميركل وأنتقل من صف الحكم الي المعارضة، وشكل الحكومة الاشتراكيون الديمقراطيون بدعم من حزب الخضر والديمقراطيين الأحرار، تحت قيادة المستشار القادم لألمانيا “أولاف شولتز” .. والمثير أيضاً هو دخول حزب الخضر بشكل أساسي إلى حكومة رابع أكبر اقتصاد في العالم في وقت يتسم بخطر بيئي. لكن الشيطان يكمن في التفاصيل، حيث تأتي صفقة الائتلاف في شكل وثيقة من 177 صفحة تحدد سياسات الائتلاف المتفق عليها مسبقًا.
فيما يتعلق بتغير المناخ، تشمل هذه التعهدات إنهاء حرق الفحم للطاقة الكهربائية بحلول عام 2030 (قبل ثماني سنوات مما كان مخططًا له سابقًا) ورفع حصة مصادر الطاقة المتجددة إلى 80٪ بحلول عام 2030، من هدف سابق قدره 65٪. ومن المنطقي أن نتوقع أن ألمانيا والتي من المقرر أن تكون وزيرة خارجيتها الجديدة “أنالينا بربوك” أحد قادة حزب الخضر، ستضغط بقوة أكبر من ذي قبل لكي يفعل الاتحاد الأوروبي المزيد لمكافحة تغير المناخ. وذلك لثقل الاتحاد الأوروبي باعتباره ثاني أكبر سوق استهلاكي في العالم، وباعتبار أن المانيا لا تزال العضو الأكثر نفوذا في النادي الأوروبي.
هناك بعض القلق حالياً داخل حلفاء الناتو من أن ألمانيا تخطط الآن لحضور الاجتماع الأول للأطراف الموقعة على معاهدة حظر الأسلحة النووية، وتأثير حزب الخضر علي التواجد النووي للحلف داخل الأراضي الألمانية. رغم أن المانيا سوف تحضر كمراقب فقط، ورغم تأكيد الحكومة الجديدة أنها سوف تستمر في “المشاركة النووية”.
واقتصادياً يشير التعيين المتوقع لكريستيان ليندنر زعيم حزب الديمقراطيين الأحرار كوزير للمالية إلى أن التخلص من فرامل الديون التي عفا عليها الزمن في ألمانيا أو تخفيف قيود محفظة الاتحاد الأوروبي بما يتجاوز 750 مليار يورو من حزمة التعافي من مرض كوفيد -19 أمر غير مرجح، رغم أن ليندنر كان معارضا لكليهما. الحكومة الالمانية مقتصد، مثل معظم الناخبين الألمان، وألمانيا تنتمي إلى مجموعة دول شمال الاتحاد الأوروبي المقتصدة جداً في الأنفاق الحكومي.
ربما يكون مصدر القلق الأكبر بشأن الائتلاف الجديد هو أنه قد يقضي الكثير من وقته في الجدال بين شركائه فيما يتعلق بالعديد من القضايا بسبب التباين بينهم، لكنه في النهاية مكسب للديمقراطية وهزيمة ساحقة لليمين والشعبوية في قلب اوروبا وداخل أكبر اقتصاد فيها ورابع أكبر اقتصاد عالمي.



