صندوق باندورا الروسى وكيم جونغ أون فى قلب الحرب الأوكرانية

 

 

بقلم: أيمن بحر

 

لم تعد الحرب الروسية الأوكرانية مجرد مواجهة عسكرية بين موسكو وكييف

كما بدأت فى ظاهرها بل تحولت تدريجيا إلى ساحة صراع دولي مفتوح تتداخل فيها روسيا

وإيران وكوريا الشمالية والغرب بصورة تجعل المشهد أكثر تعقيدا وخطورة من أي وقت مضى.

 

وفي خضم هذا المشهد خرج الرئيس الروسي فلاديمير بوتين متحدثا عن أن أوكرانيا

فتحت ما وصفه بصندوق باندورا عندما بدأت باستهداف مواقع داخل الأراضي الروسية.

لكن المفارقة أن هذا الصندوق الذي يتحدث عنه بوتين يبدو وكأنه أصبح مفتوحا

منذ سنوات طويلة وأن الحرب نفسها تجاوزت الحدود التقليدية للصراع لتتحول إلى مواجهة واسعة تستخدم فيها الطائرات المسيرة

والصواريخ والأسلحة بعيدة المدى والحرب الإلكترونية والعقوبات الاقتصادية

ومع انتقال الضربات الأوكرانية إلى العمق الروسي أصبح الرد الروسي أكثر اتساعا

واستهدافا للبنية العسكرية والصناعية والطاقة وهو ما يعكس انتقال الحرب إلى مرحلة جديدة

عنوانها الرئيسي توسيع نطاق الضربات ومحاولة كل طرف إيلام الطرف الآخر في أكثر مناطقه حساسية.

أما المقترحات الغربية الخاصة بالهدنة أو التسوية السياسية

فتبدو حتى الآن عاجزة عن الوصول إلى صيغة ترضي موسكو وكييف في الوقت نفسه

فروسيا تؤكد أن أي تسوية لا تراعي مصالحها الأمنية ومطالبها السياسية لن تكون مقبولة

بينما تتمسك أوكرانيا بمواقفها وتواصل الحصول على دعم عسكري وسياسي غربي

وهنا يظهر السؤال الأهم

هل نحن أمام حرب يمكن أن تنتهي بتسوية روسية أوكرانية فقط أم أن الحرب تحولت بالفعل إلى صراع أكبر تشارك فيه قوى دولية لكل منها حساباته ومصالحه

الدخول الكوري الشمالي إلى المشهد يمثل أحد أبرز التطورات التي أثارت اهتمام العالم

فالتعاون العسكري بين موسكو وبيونغ يانغ لم يعد مجرد علاقة سياسية بين دولتين تخضعان لعقوبات غربية بل أصبح أحد عناصر المشهد العسكري في الحرب الأوكرانية

وتتحدث تقارير متعددة عن مشاركة أفراد وقوات كورية شمالية في دعم المجهود العسكري الروسي إضافة إلى التعاون في مجالات الصواريخ والطائرات المسيرة والتدريب العسكري

وهنا تكمن أهمية التجربة بالنسبة لكوريا الشمالية

فالحروب الحديثة أصبحت مختبرا عمليا لتطوير التكتيكات والأسلحة واختبار قدرات القوات في ظروف حقيقية لا يمكن توفيرها في ميادين التدريب التقليدية

ومن هذه الزاوية يمكن فهم التعاون الروسي الكوري الشمالي باعتباره علاقة مصالح متبادلة

موسكو تحتاج إلى دعم عسكري وصناعي وبشري في مواجهة حرب طويلة الأمد وبيونغ يانغ تبحث عن الخبرة والتكنولوجيا والقدرات التي يمكن أن تعزز قوتها العسكرية

أما إيران فتظل جزءا مهما من هذه المعادلة بسبب ما ارتبط بها من تعاون عسكري وتقني مع روسيا في مجال الطائرات المسيرة وغيرها من المنظومات

وهكذا أصبحت المعادلة أكثر تعقيدا

تقنيات إيرانية

تمويل وقدرات صناعية روسية

خبرات بشرية كورية شمالية

وساحة اختبار حقيقية في أوكرانيا

وإذا صحت التقارير التي تتحدث عن توسيع التعاون الصناعي وإشراك عمالة كورية شمالية في منشآت إنتاج الطائرات المسيرة داخل روسيا فإن الأمر يتجاوز فكرة الدعم العسكري المباشر إلى بناء منظومة إنتاج عسكرية متعددة الأطراف

وهذا يعني أن الحرب لم تعد فقط معركة حول مدينة أو جبهة أو مقاطعة بل أصبحت أيضا معركة إنتاج واستنزاف وتطوير تكنولوجي

فمن يستطيع إنتاج المزيد من الطائرات المسيرة والصواريخ ومن يستطيع تعويض خسائره بسرعة ومن يملك القدرة على استمرار التمويل والتسليح سيكون أكثر قدرة على تحمل حرب طويلة

وفي المقابل يواجه الغرب معضلة مختلفة

فالدعم الأمريكي والأوروبي لأوكرانيا مستمر لكن طول أمد الحرب يفرض ضغوطا سياسية واقتصادية وعسكرية متزايدة على الدول الداعمة لكييف

وهنا يظهر التخوف الغربي من تحول الحرب إلى مواجهة مفتوحة بين منظومات دولية متنافسة بدلا من بقائها صراعا محدودا بين روسيا وأوكرانيا

الأخطر من ذلك أن دخول أطراف جديدة إلى المعادلة يجعل احتمالات الخطأ والحسابات غير الدقيقة أكبر

فكلما زاد عدد اللاعبين زادت المصالح المتعارضة وزادت فرص التصعيد غير المحسوب

وروسيا من جانبها تريد إثبات أنها قادرة على مواصلة الحرب رغم العقوبات والضغوط الغربية

وكوريا الشمالية تريد تعظيم مكاسبها من الشراكة مع موسكو

وإيران تريد تعزيز علاقاتها العسكرية والاقتصادية مع روسيا

بينما يحاول الغرب دعم أوكرانيا دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع روسيا

أما الصين فتظل اللاعب الأكبر الذي يراقب المشهد بعناية شديدة ويحسب خطواته وفقا لمصالحه الاستراتيجية والاقتصادية

ولهذا فإن السؤال لم يعد فقط من سينتصر في الحرب الروسية الأوكرانية

بل أصبح السؤال الأوسع

كيف سيكون شكل النظام الدولي إذا استمرت هذه التحالفات في التوسع

الحرب التي بدأت بين روسيا وأوكرانيا تحولت إلى اختبار حقيقي للنظام العالمي

اختبار للتحالفات

واختبار للصناعات العسكرية

واختبار لقدرة العقوبات الاقتصادية

واختبار لقدرة الدول على تحمل حرب طويلة

والأهم أنها أصبحت اختبارا لمن يستطيع صناعة النفوذ في عالم يتغير بسرعة

أما صندوق باندورا الذي أصبح عنوانا ساخرا لهذه المرحلة فقد يكون أخطر من مجرد استعارة سياسية

لأن ما خرج من هذا الصندوق ليس شيطانا واحدا كما تقول الأسطورة بل شبكة كاملة من التحالفات والمصالح والأسلحة والتكنولوجيا

وكلما اتسعت الحرب أصبح إغلاق الصندوق أكثر صعوبة

والسؤال الذي سيحدد مستقبل العالم ليس فقط متى تنتهي الحرب

بل هل تنتهي الحرب قبل أن تتحول التحالفات الجديدة إلى نظام دولي دائم

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية

فالحرب الأوكرانية لم تعد مجرد حرب على الأرض

إنها معركة على شكل العالم القادم

إرسال التعليق

You May Have Missed