يتعرض كل إنسان للابتلاء ، وقد يكون منحة للارتقاء بمغفرة الذنوب ،
وقد يكون نقمة للإغواء وعدم الهداية. فإذا نظرت لحالك مع الله عرفت حكمته مما يلاحقك من ابتلاءات،
فلا تتساءل : لماذا يحدث لك ابتلاء :ضيق في الرزق، او هزيمة من خصم؟ او عقوق من ولد ، او خلافات اسرية وعائلية.
وقد بث الله -تعالى- اسباب الابتلاء في ثنايا الأيات القرآنية ،
التي تحتاج لتدبر لبيان اسباب الضنك الذي نعيشه دون تدارك اسبابه السلوكية لا القولية،
فالدين معاملة قبل ان يكون ذكرا وعبادة. كما شرع لنا من الادواء ما يصلح به الحال
١ – استحضار النية الخالصة
لا ريب اننا نؤدي العبادات المفروضة عادة بدون استحضار النية ، فلا نؤجر عليها، ويصبح العمل هباءا منثورا، لذا يستوجب الأمر ابتلاءا من الله رحمة بنا، فمثلا : يخرج بعضنا الصدقات ، لا يحس بالبركة في المال ؛ لأن بالقلب شيئا جعلك تخرجها مما فسد من مالك ، او مما تزهد فيه، لا مما تحب امتثالا لقوله تعالى : ” لن تنالوا البر حتى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ”
فإذا اردت البركة فلا تخرج ردئ الطعام، ولا ممزق الثياب بل اطيب ما تحب منهما، وافضل ما تحرص عل اقتنائه، لقتل الطمع والدنيا في قلبك، واظهار رغبتك فيما عند الله
وهذا ما دفع الصحابي “أبو طلحة” للتصدق بنخل بُستان البَيْرُحَاء، وكان أحبّ أمواله إليه ، فقال للنبي ﷺ : “يا رسول الله، أحب مالي إليَّ بَيرُحَاء، وإنها صدقة لله، فضعها حيث أراكَ الله”. لقد فِهم الدرس وعاش الآية.
٢. صدق التوكل على الله
لا ينفع المرء ان يقول توكلت على الله دون الأخذ بالأسباب ، و قلبه في شك من النجاح، فالنبي ﷺ قرر يسترد حقوق المسلمين من قافلة قريش التجارية العائدة من الشام، بقيادة ” أبو سُفيان”، ومُحمّلة بخيرات كتيرة من اموالهم التي نهبتها قريش منهم عند الهجرة ، فخرج النبي ﷺ مع ٣١٢ مسلم و فرسين في مهمة بسيطة لاسترداد جُزء من أموالهم المسلوبة
علم أبو سُفيان بالأمر في الطريق ؛ فغيَّر خط سير القافلة، وبعت رسالة سريعة لمكّة يطلب فيها دعم قُريش، فغضبوا واخذتهم العزة بالكبر، فخرجت قريش بحشود ضخمة تتجاوز الفا من المشركين مُجهزين بأحدث الإمكانيات والخيول والجِمال. واقعيا المواجهة محسومة.
لكن النبي ﷺ الحبيب استشار الصحابة بمنتهى الشَّفافية و العقل ، وقالهم : القافلة هربت ، والمواجهة مصيرية مع كِبار قُريش.. مُستعدين؟
ورغم ان الأنصار (أهل المدينة) ليس لهم مال لدى قريش ، لكن إخوانهم المهاجرين اصحاب حق، لم يتركوهم ، وقالوا كلمتهم الخالدة للنبي ﷺ: ” امضِ يا رسول الله لِمَا أمرك الله، فوالله لو خُضت بنا البحرَ لخُضناه معَك!”
اما المُهاجرين فجأة وجدوا أنفسهم امام مُواجهة صعبة، لم تكن في الحُسبان أبدًا، لا تدريب كاف ، ولا استعداد نفسي لحجم الموقف ، ولا عدد يكفي، ولا إمكانيات مادّية ، لكن كان معاهم قوة خفية، لاقوة في الأرض تقف امامها : ” الثقة في الله”.
اما سيدنا النبي ﷺ دخل خيمته ، واقام الليل رافعا يده للسماء يبكي ويُلِح في الدعاء ، قائلا : “اللهُمَّ إن تُهلِك هذة العِصابة -يعني الـ ٣١٣ مسلما – فلن تُعبَد في الأرض”،
وفجأة، السماء استجابت، والأرض ارتجِّت، وجبريل نزل بالفرج والبُشرى: ” إني مُمِدّكم بألفٍ من الملائكة مُردفين” .والنتيجة تفوُّق ساحِق وتمكين عجيب للمُسلمين رغم قِلة العدد وانعدام الإمكانيات!
لقد سقط كِبار قريش واحد ورا الآخر ، وتحقق المُستحيل امام نظر الناس ، والمُسلمين تعلِّموا الدرس الأهم : في كل احوالك اجعل قولك: “سَمِعنا وأطعنا” و” توكّلت على الله” تصبح في كَنَف الله وحفظه ، ودع النتيجة.على الله. وكلما ضاقت عليك الدنيا وضعفت الإمكانيات واشتدت الازمات تذكر قول موسى – عليه السلام -:” كلا إن معى ربي سيهدين”
٣. الحذر من الذنوب :
واعلم ان الذنوب ليس شرطا ان تكون رشوة او سرقة او قتل إنما ممكن تكون تاخير صلاة، أو التزام الصمت؛ خوفا من ظالم، او مخالفة امر للرسول انت لا تراه ذنبا كما حدث من رماة أُحُد
قررت قريش تسترد هيبتها، وجهّزت حشود ضخمة تتجاوز الـ ٣٠٠٠ مقاتل ،واتجهوا للمدينة، فاستشار النبي ﷺ الصحابة كالعادة ، وكان رأيه البقاء بالمدينة كنوع من الأمان والحِماية، لكن الشباب المُتحمس قالوا: “لا يا رسول الله، نخرج نقابلهم خارج المدينة”.
استجاب النبي ﷺ لرأي الأغلبية، وخرجوا عند جبل أُحُد، وبدأت المواجهة ، واحرز المُسلمون تفوقا في البداية، وبدات قريش تتراجع، وهنا حدثت مخالفة امر النبي ﷺ، ترك الرماة اماكنهم فوق الجبل، رغم تحذير النبي بعدم مغادرة اماكنهم مهما حدث، ولكنهم راوا الغنائم مع تقهقر قريش، فظنوا المعركة انتهت، ولكن كان لابد من تعليمنا عدة دروس من اهمها :
ا- مخالفة امر الرسول تحول النصر إلى هزيمة
ب-الرسول يتبع لا يعبد، فلا تعلق نفسك بمخلوق وتمسك بالخالق
ج- ذنب واحد ممكن يغير مسار حياتك
إذن أي انتكاسة خلفها ذنب صريح لأمر من اوامر الله ورسوله
ﷺ، وممكن هذا الخطأ يفقد المُسلمين دولا او افرادا او مكانة
معنوية بين الأمم، بعد ان نصرنا وانعم علينا بما نحب، ونجينا في كثير من الأزمات ، وشفينا من كثير من الامراض ، فعصيناه من أجل الدنيا ، وتخلينا عن اوامره وسنة نبيهﷺ ، كما قال : ” وَ عَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّون” !
وبرغم قسوة العتاب وصعوبة الأحداث، إلا إن رحمة ربنا واسعة، ولن يتخلى عن عباده المؤمنين ، فنزِّل آية التخفيف عليهم، فقال : (وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) لأن العتاب من ربنا يكون للتربية والتوبة، وليس للانتقام.
٤. أداء الحقوق لأصحابها :
من اكبر الاختبارات النفسية لمبدا ” سمعنا واطعنا “، فكلنا من نفس واحدة “خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ” لنا حقوق وعلينا واجبات، فإذا طالبت غيرك بالواجبات، فعليك ان تودي له حقوقه أولا ، فهل اديت حق الزوحة والأولاد، وذوي الأرحام واليتامي بلا إفراط أو تفريط ، كما امرنا المولى في مطلع سورة النساء، التي خصصت لبيان حقوق المراة بشكل خاص
فقد كانت المراة في الجاهلية تورث كالمتاع . إذا لو مات زوجها يحضر أهل الزوج ليرثوها، ولو دون ارادتها، كأنها جماد لا رأي لها ! و كانت الفتاة ملك لأبيها أو أخيها، ياخذ مهرها في جيبه، وكأنه ثمنا لها.
فيشرع القرآن للمراة ذمة مالية مسجلة في القرآن خاصة بها ، ليبين مكانتها و كرامتها ، فيأمر الرجال صراحةً بمنحها مهرها : “وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ” فليس الصداق تمنا يمنح لوليها، وكانها سِلعة تشترى، ولا ان يساومها أحد على صداقها
كذلك حذر من اكل اموال اليتامى، وجعل ذلك نارا في بطون مرتكبي هذه الجريمة. كما قسم المواريث بحسب تكاليف كل من الذكر والأنثى، محتفظا بحقها في الميراث، فلا يجوز حرمانها منه، ولا ان تنفق منه على بيتها إلا برضاها
كل هذا التفصيل للحقوق لبيان عظمها عند الله، ولا تسقط امام الله إلا بأدائها لأصحابها، وما اظن طول الحساب بين يدي الله الا لاسترضاء اصحاب الحقوق، فمن اراد تيمن كتابه، وتيسيير حسابه؛ فليؤد ما عليه من حقوق في الدنيا قبل الآخرة
بقلم
د/حامد أبو المجد
صدى – مصر من مصر لكل العالم