العبادة لا تخضع للأهواء ولا للآراء

بقلم محمد الدكروري

جاء في ليلة القدر أن فيها يفشى السلام من الملائكة على المؤمنين، قال الله تعالى” سلام هي حتي مطلع الفجر ” قال الزمخشري ما هي إلا سلام لكثرة ما يسلمون، أي الملائكة على المؤمنين، وقيل لا يلقون مؤمنا ولا مؤمنة إلا سلموا عليه في تلك الليلة” وقال الحسن البصري رحمه الله ” هي ليلة يسلم فيها الملائكة على المؤمنين في مساجدهم، يمرون عليهم يقولون السلام عليك أيها القائم، السلام عليك أيها الراكع، السلام عليك أيها الساجد، سلام على القائمين والطائعين” وقيل أنه قال الإمام أبو داود رحمه الله كنا عند شعبة، نكتب ما يُملي، فسأل سائل، فقال شعبة تصدقوا، فلم يتصدق أحد، فقال تصدقوا فإن أبا إسحاق حدثني عن عبدالله بن معقل، عن عدي بن حاتم، قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” اتقوا النار ولو بشق تمرة ” قال فلم يتصدق أحد، فقال تصدقوا، فإن عمرو بن مرة حدثني عن خيثمة، عن عدي بن حاتم، قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم تجدوا، فبكلمة طيبة “

فلم يتصدق أحد، فقال تصدقوا، فإن مُحلًّا الضبي حدثني عن عدي بن حاتم قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” واستتروا من النار ولو بشق تمرة، فإن لم تجدوا، فبكلمة طيبة” فلم يتصدق أحد، فقال قوموا عني، فوالله لا حدثتكم ثلاثة أشهر، ثم دخل منزله، فأخرج عجينا، فأعطاه السائل، فقال خذ هذا، فإنه طعامنا اليوم، وكما قال سلمة بن سليمان رحمه الله أنه جاء رجل إلى عبدالله بن المبارك رحمه الله، فسأله أن يقضي دينا عليه، فكتب له إلى وكيل له، فلما ورد عليه الكتاب، قال له الوكيل كم الدين الذي سألته قضاءه؟ قال سبعمائة درهم، وإذا عبدالله قد كتب له أن يعطيه سبعة آلاف درهم، فراجعه الوكيل، وقال إن الغلات أي النقود قد فنيت، فكتب إليه عبدالله إن كانت الغلات قد فنيت، فإن العمر أيضا قد فني، فأجر له ما سبق به قلمي، وهكذا هي العبادة وإن الإحسان في العبادة هو أن تؤديها كما أمرك الله تعالي وكما بينها لك رسول الله.

أن تجعلها خالصة لوجه الله، أن تؤديها تامة كاملة بأركانها وواجباتها وسننها ومستحباتها، أن تؤديها في أوقاتها إن كان لها وقت محدد، أن تجعلها عبادة تطهر بها قلبك وتزكي بها نفسك، وتغير بها سلوكك وتنمي بها أخلاقك، فمن لم يتغير سلوكه ولم تتحسّن أخلاقه بعبادته، فليعلم أن عبادته ناقصة، فللعبادة الصحيحة أثر على الأخلاق وأثر على السلوك وأثر على المعاملة، والعبادة لا تخضع للأهواء ولا للآراء ولا لشهوة النفس ونزواتها بل هي ما شرعه الله تعالي وبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فواجب على العبد أن يتحرى الصواب فيها، وأن يسأل أهل الذكر فيما لا يعلم، وإن من صور خلق الاحسان في حياتنا هو الإحسان في القول والعمل، فالقول ينبغي أن يكون طيبا حسنا مفيدا، فقد قال سبحانه وتعالى ” وقل لعبادي يقولوا التي أحسن” وقال عز وجل ” وقولوا للناس حسنا” فالواجب على المسلم هو أن يُعوّد لسانه.

على الكلام الطيب والقول الحسن، وأن يستعمله فيما ينفعه في دنياه وفي أخراه، وأن يمسكه عن كل قول سيئ وقبيح، فقد قال رسول الله عليه الصلاة والسلام ” من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت” متفق عليه، وكما أمر الله سبحانه وتعالى بالإحسان في العمل سواء أكان العمل في أمور الدين أو في أمور الحياة، فقال الله سبحانه” واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير” وقيل أنه قال محمد بن عيسى رحمه الله أنه كان عبدالله بن المبارك كثير الاختلاف أي الذهاب إلى طرسوس، وكان ينزل الرقة في خان وهو فندق، فكان شاب يختلف إليه، ويقوم بحوائجه، ويسمع منه الحديث، فقدم عبدالله مرة، فلم يره، فخرج في النفير أي الجهاد في سبيل الله مستعجلا، فلما رجع، سأل عن الشاب، فقال محبوس على عشرة آلاف درهم، فاستدل على الغريم وهو صاحب الدين، ووزن له عشرة آلاف، وحلفه ألا يخبر أحدا ما عاش.

فأخرج الرجل، وسار ابن المبارك، فلحقه الفتى على مرحلتين من الرقة، فقال لي يا فتى أين كنت؟ لم أرك؟ قال يا أبا عبدالرحمن، كنت محبوسا بدين، قال وكيف خلصت؟ قال جاء رجل فقضى ديني، ولم أدر، قال فاحمد الله، ولم يعلم الرجل إلا بعد موت عبدالله بن المبارك، وقيل أنه خرج عبدالله بن المبارك رحمه الله مرة إلى الحج، فاجتاز ببعض البلاد، فمات طائر معهم، فأمر بإلقائه على مزبلة، وسار أصحابه أمامه وتخلف هو وراءهم، فلما مر بالمزبلة إذا جارية قد خرجت من دار قريبة منها، فأخذت ذلك الطائر الميت، فكشف عن أمرها وفحص، حتى سألها، فقالت أنا وأختي ها هنا، ليس لنا شيء، وقد حلَّت لنا الميتة، وكان أبونا له مال عظيم، فظلموه وأُخذوا ماله وقتلوه، فأمر عبدالله بن المبارك برد الأحمال، وقال لوكيله كم معك من النفقة؟ فقال ألف دينار، فقال عد منها عشرين دينارا تكفينا إلى مرو، وأعطها الباقي، فهذا أفضل من حجنا في هذا العام، ثم رجع.

إرسال التعليق

You May Have Missed