علاقة ابني ادم باليهود في سورة المائدة
الجزء الاول
قصة ابني ادم وردت في سورة المائدة ، وإذا أردنا فهم القصة يجب ربطها بما قبلها من ايات ،
لنتبين الحكمة من ذكرها، أو إعادة جانب مختلف منها، إذا كانت معادة لإظهار جانب اخر منها أراده الله – تعالى- .
اولا؛ علاقة القصة بما قبلها
هناك عدة اوجه تبين علاقة القصة بما قبلها، ومنها :
١- نبدا الربط بقوله – تعالى- : { يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ }
فبين – تعالي – أن الأعداء يريدون إيقاع البلاء بالنبي ومن معه ،
ولكن الله يحفظهم بفضله ويمنع أعداءهم من إيصال الشر إليهم.
ثم اورد قصة النقباء الاثنى عشر وميثاقهم، وبين ما حل باليهود من قساوة ولعن.
وعقب بذكر اصرار النصارى على قولهم المنافي للتوحيد بعد البينات الواضحة التي اتتهم
فالرابط بين النبي واليهود ، النقباء واليهود والنصارى هو النعم العظيمة في الدين والدنيا؛
فإن الناس ينازعون صاحب النعمة حسداً وبغياً ،
ما ذاك إلا لحسدهم لمحمد – صلى الله عليه و سلم – فيما آتاه الله من الدين الحق،
وقد ذكرالذين نقضوا العهد وبسطوا ايديهم بالشر من باب التسرية وتخفيف هذه الأحوال على قلب النبي
فلا جرم ان يتفق الأعداء على استخراج أنواع المكر والكيد في حقه ،
ثم ذكر بعده قصة موسى في محاربة الجبارين وإصرار قومه على التمرد والعصيان ،
ثم ذكر بعده قصة ابني آدم وأن أحدهما قتل الآخر حسداً منه على أن الله – تعالى- قبل قربانه،
وكل هذه القصص دالة على أن كل ذي نعمة محسود..
.٢- القصة متعلقة بما قبلها، وهي قصة محاربة الجبارين، أي: اذكر لليهود حديث ابني آدم ؛
ليعلموا أن سبيل أسلافهم في الندامة والحسرة الحاصلة بسبب إقدامهم على المعصية
كان مثل سبيل ابني آدم في إقدام أحدهما على قتل الآخر .
٣- حكى الطاهر بن عاشور : أن المناسبة بين قصة ابني آدم وبين القصة التي قبلها – أي :
قصة قتال الجبارين- مناسبة تماثل ومناسبة تضاد .
فأما التماثل فإن في كلتيهما عدم الرضا بما حكم الله تعالى:
فإن بني إسرائيل عصوا أمر رسولهم إياهم بالدخول إلى الأرض المقدسة ،
وأحد ابني آدم عصى حكم الله تعالى بعدم قبول قربانه ؛
لأنه لم يكن من المتقين.وفي كلتيهما جرأة على الله بعد المعصية؛
فبنو إسرائيل قالوا: اذهب أنت وربك وابن آدم قال لأخيه : لأقتلنك.
وأما التضاد فإن في إحداهما إقداما مذموما من ابن آدم وإحجاما مذموما من بني إسرائيل، وإن في إحداهما اتفاق أخوين هما موسى وأخوه على امتثال أمر الله تعالى، وفي الأخرى اختلاف أخوين بالصلاح والفساد
٤- هذا الوجه متصل بقوله حكاية عن اليهود والنصارى :{نَحْنُ أَبْنَاء الله وَأَحِبَّاؤُهُ } أي: لا ينفعهم كونهم من أولاد الأنبياء مع كفرهم ، كما لم ينتفع ولد آدم عند معصيته بكون أبيه نبياً معظماً عند الله تعالى.
٥- لما كفر اهل الكتاب بمحمد – صلى الله عليه وسلم- حسداً أخبرهم الله- تعالى- بخبر ابن آدم، وأن الحسد أوقعه في سوء العاقبة ، والمقصود هنا التحذير من الحسد
ثانيا : لمحات في تصوير القصة
قوله تعالى ( واتل عليهم نبأ ابني آدم) : الضمير يعود على بني إسرائيل ، إذ هم المحدث عنهم أولاً ، و يسوق لهم الحجج بسبب بسط أيديهم إلى الرسول والمؤمنين، فانباهم بما غمض في كتبهم، التي لا تعلق للرسول بها إلا من جهة الوحي، لتقوم الحجة بذلك عليهم، إذ ذلك من دلائل النبوّة.
ويضيف الشيخ محمد رشيد رضا: ( ومعنى الجملة: واتل أيها الرسول على أهل الكتاب وسائر الناس ذلك النبأ العظيم -نبأ ابني آدم- تلاوة متلبسة بالحق مظهرة له، بأن تذكره كما وقع، مبيناً ما فيه من الحكمة والكشف عن غريزة البشر
وهذا ما جبلوا عليه من التباين والاختلاف المفضي إلى التحاسد والبغي والقتل، ليعلموا حكمة الله فيما شرعه في الدنيا من عقاب الباغين من الأفراد والجماعات والشعوب والقبائل، وكون هذا البغي من اليهود على رسول الله وامته ليس من أمر دينهم، وإنما هو من حسدهم وبغيهم،
فهم في هذا كابني آدم، إذ حسد شرهما خيرهما؛ فبغى عليه فقتله ، وكانت عاقبة ذلك ما بينته هذه الآيات. وقيل: الضمير عائد على هذه الأمة أي:” اتل يا محمد على قومك”. قلت: ولاريب أن في تلاوة هذا الخبر وغيره من أخبار السابقين على مسامع المؤمنين فيه ما فيه من الاعتبار والاتعاظ لهم
فصرف الضمير في (عليهم ) من هذه الناحية إلى أصحاب النبي وسائر المؤمنين وجيه بل هو الغرض، كما أعرب القرآن عنه في ختام سورة يوسف – عليه السلام- فبعد أن فرغ من ذكر قصته عليه السلام، أبان عن القصد فقال:” لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ”
والسؤال : لماذا ربط بين اليهود وابني ادم، ولم يربطهم بيوسف واخوت
ه، هذا ما سوف نكشفه في الجزء الثاني
صدى – مصر من مصر لكل العالم