ذكرت المصادر التاريخية الإسلامية الكثير عن الفقيه القاضي الأمير أسد بن الفرات فاتح صقلية، وهو أبو عبد الله أسد بن الفرات بن سنان قاضي القيروان، وقيل أنه عاد أسد بن الفرات إلى القيروان سنة مائة وواحد وثمانين من الهجرة، بعد رحلة علمية شاقة وحافلة بالفوائد تنقل فيها بين المدينة ومكة وبغداد والكوفة والفسطاط في طلب العلم حتى صار من كبار علماء المغرب وإماما من أئمة المسلمين بلغ درجة الاجتهاد فلا يفتي إلا بعد النظر والترجيح ولا يتقيد بمذهب معين، وعاد أسد بن الفرات إلى القيروان حاضرة المغرب وقتها ومنارة العلم الأولى في الشمال الإفريقي بأسره بعلم جم في الحديث والفقه بمدرستيها الأوليين الحنفية والمالكية، وجلس بجامع عقبة وأقبل عليه طلبة العلم من كل مكان.
من المغرب والأندلس واشتهر أمره وظهر علمه، وارتفع قدره، وانتشرت إمامته، جاءته الأسئلة من أقصى البلاد ليجيب عليها، وبلغ أسد درجة الاجتهاد، فلم يكن يلتزم برأي واحد، بل يفتي بما يوصله إليه اجتهاده، وكان يلتزم من أقوال أهل المدينة وأهل العراق ما وافق الحق عنده، وكان إذا جلس في المجلس وسرد أقوال العراقيين، أي مذهب أبي حنيفة، قال له المشايخ الذين يجالسونه ممن يذهب مذهب أهل المدينة أي مذهب مالك يا أبا عبد الله أوقد القنديل الثاني فيسرد أقوال المدنيين ما يوضح سعة علمه، وكان أسد بن الفرات شديد الضبط والتحرير والدقة لكتبه حتى صار مضرب الأمثال، وقيل أنه بيعت يوما كتب فقيه مات، فنودي عليها “هذه كتب فقيه قد قوبلت على كتب الإفريقي” أي أسد بن الفرات.
فبيعت كل ورقة بدرهم، وكان أسد بن الفرات على عقيدة أهل السنة والجماعة، وهي عقيدة السلف الصالح، لذلك كان من أشد علماء المغرب على أهل البدعة، معروفا بنشر السنة حتى خارج إفريقية وهي تونس حاليا وكان يكثر من تقريع المبتدعين، وقرأ يوما قوله عز وجل ” إنني أنا الله لا إله إلا أنا فأعبدني” ثم قال يا ويل أم البدع، يزعمون أن الله عز وجل قد خلق كلامه، آمنت بالله عز وجل وبأنه قد كلم موسى تكليما، وأن الكلام غير مخلوق، ولكن لا أدري كيفية الكلام، ولم يكن أسد بن الفرات من هذا النوع السلبي من العلماء الذين يقبعون خلف كتبهم ومصنفاتهم ولا يتحركون بعلمهم بين الناس، بل كان من العلماء العاملين وأيضا من كبار المجاهدين في سبيل الله، فلقد ورث حب الجهاد عن أبيه.
الذي كان أمير مجاهدي حران والذي حمل ولده الصغير أسدا وخرج به مجاهدا في سبيل الله لذلك نشأ أسد في بيت جهاد وبطولة وفداء، فشب عالما نابها وأيضا جنديا جريئا، وبحارا مغامرا، حتى إنه في سن الشباب وقبل أن يقوم برحلته العلمية المشهورة اشترك في العديد من المعارك البحرية في مياه البحر المتوسط.
إرسال التعليق