فصل الخطاب في تاويل حروف فواتح بعض سور الكتاب
فصل الخطاب في تاويل حروف فواتح بعض سور الكتاب
اولا الحروف المفردة : (حرف ن)
اختلف المفسرون في تفسير الحروف المقطعة في فواتح بعض السور ، وأرجح ما قيل فيها :
أنها من مظاهر إعجاز القرآن ، ولكن القرآن كله معجز، بدليل قوله تعالى ” فأتوا بسورة من مثله”،
فالإعجاز في تركيب الجمل و تسلسل السور، لا في الحروف.
وقيل : أن الله – جل وعلا- قد استأثر بعلم مراده منها ،
ولكن لم يرد ذكرها في مغيبات سورة لقمان التي تتضمن ما فوق مدركات البشر ،
ولكن أن يختص الله بعلم حروف قوم برعوا فيها، فهو أمر لا يستقيم مع حكمة الله في تحدي كل قوم بما فقهوه.
يؤكد ذلك، إننا لم نر من المفسرين ، ولا من أصحاب السير من ذكر اعتراض الكفار أنفسهم عليها ،
حتى أن عمر بن الخطاب أسلم بعد سماع ” طه”، وهو من هو في حفظ الشعر الجاهلي،
وكان من أشد قريش عداوة للمسلمين ، فلم يقو على الطعن في القرآن الكريم .
بل شهد كبراؤهم ببلاغته ، وسمو عباراته
فقد روى الحاكم ، وغيره عن ابن عباس – رضي الله عنهما -:
أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – فقرأ عليه القرآن ، فكأنه رق له ،
فبلغ ذلك أبا جهل ، فأتاه ، فقال : يا عم ، إن قومك يرون أن يجمعوا لك مالًا ! قال : لم ؟
قال : ليعطوكه ؛ فإنك أتيت محمدًا تتعرض لما قبله.
قال : قد علمت قريش أني من أكثرها مالًا، قال: فقل فيه قولًا يبلغ قومك أنك منكر له ،
أو أنك كاره له ، قال : وماذا أقول ؟ فوالله ما فيكم من رجل أعلم بالأشعار مني ،
ولا أعلم برجزه ، ولا بقصيده ، ولا بأشعار الجن مني ،
والله ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا ، والله إن لقوله الذي يقول لحلاوة ،
وإن عليه لطلاوة ، وإنه لمثمر أعلاه ، مغدق أسفله ، وإنه ليعلو، وما يعلى عليه ، وإنه ليحطم ما تحته
قال : لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه ! قال: فدعني حتى أفكر، فلما فكر قال :
هذا سحر يؤثر، يأثره عن غيره ـ فنزلت: ” ذرني ومن خلقت وحيدًا” .
وقيل : هي أسماء للسور أو أسماء الله الحسنى، ولكن هذا الأمر لا يعمم ،
لأن هناك سور لم تسمي باسم الحروف التي بدأت بها كالبقرة وال عمران، ويوسف وغيرها .
وقيل : أنها مجرد أحرف من حروف الهجاء استفتحت بها السور ،
ولكن هذا لا يستقيم مع اختيار مجموعة من الحروف دون اخرى ،
أو جمعها في جملة ” كتاب حكيم قاطع له سر ” مع أننا يمكن تكوين عدة جمل اخرى من نفس الحروف.
٢- تأويل الحروف المفردة
من خلال البحث سنتناول الحروف من جهتين :
الأول على أنها كلمة، لأننا ننطق الحرف في التلاوة من ثلاثة أصوات ، باعتبار أن الحرف صوت ،
وبالتالي لا يصبح حرفا ، مثل : صاد ، نون ، قاف :أي هى كلمة من ثلاثة اصوات وليست حرفا ، وما دامت كلمة فلها معنى
ثانيا : ارتباط معنى الكلمة بموضوعات السورة التي وردت فيها،
لأنه من المستحيل أن تبدأ السورة بحرف لا علاقة له بالسورة ، وإلا أين الإعجاز؟
أولا : ق
معنى” ق ” في اللغة :
اولا: الحرف الحادي والعشرون في ترتيب الأبجدية العربية ، ويتميز بصوت لَهَوِيّ مُفخَّم، وينطق في معظم اللغات العربية الحديثة بصوت أقرب إلى الهمس.
ثانيا : مؤخر العنق : “القافية” أو “القُوف” من الرقبة تعني مؤخر العنق.
ثالثا : تتبع الأثر: الفعل “قافَ” يعني اتّبع الأثر، والشخص الذي يُحسن ذلك يسمى “قائف” أو “قواف”.
رابعا : هو الجبل : في بعض الاستخدامات ، تشير “قاف” إلى اسم جبل يُقال إنه يحيط بالأرض.
من خلال هذه المعاني، نجد أن المعنى الأول والثاني لا علاقة لهما بمنهج البحث، ولكن إذا نظرنا إلى المعنى الثالث نجده يتفق مع مقاصد السورة التي تضمنت الدعوة للاستدلال على حدوث البعث من تأمل الظواهر الكونية، أو من خلال المعارف العقلية من أحوال الأمم كالتالي :
١- التنويه بشأن القرآن
٢- تكذيب الكفار للرسول- صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه من البشر.
٣- الدعوة للاستدلال على إثبات البعث، وأنه ليس بأعظم من ابتداء خلق السماوات وما فيها وخلق الأرض وما عليها، ونشأة النبات والثمار من ماء السماء، وأن ذلك مثل للإحياء بعد الموت.
٤- تنظير المشركين في تكذيبهم بالرسالة والبعث ببعض الأمم الخالية المعلومة لديهم ، ووعيد هؤلاء أن يحل بهم ما حل بأولئك.
٥- الوعيد بعذاب الآخرة ابتداء من وقت الاحتضار ، وذكر هول يوم الحساب.
٦- وعد المؤمنين بنعيم الآخرة.
٧- تسلية النبي – صلى الله عليه وسلم – على تكذيبهم إياه ، وأمره بالإقبال على طاعة ربه ، وإرجاء أمر المكذبين إلى يوم القيامة، وأن الله لو شاء لأخذهم من الآن ، ولكن حكمة الله قضت بإرجائهم، وأن النبي- صلى الله عليه وسلم – لم يكلف بأن يكرههم على الإسلام ، وإنما أمر بالتذكير بالقرآن.
٨- الثناء على المؤمنين بالبعث، بأنهم الذين يتذكرون بالقرآن.
٩- إحاطة علم الله – تعالى- بخفايا الأشياء وخواطر النفوس.
ولكن نرجح المعنى الأخير وهو اسم جبل اقسم به الله – تعالى- وعطف بالقسم بالقرآن فقال : ق والقرآن المجيد ، مثل والتين والزيتون، فهو يقسم بما شاء من خلقه، وقد وردت رواية توكد هذا المعنى
٩٧٨ – ١ أخبرنا أبو ( . . . ) عبد الرحمن بن عبد الله الآملي ، حدثنا محمد بن الفضل الطبري ، عن خلف بن ميمون ، حدثنا عمر بن صبح ، عن مقاتل بن حيان ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، – رضي الله عنهما – في قوله – عز وجل – : ( ق والقرآن المجيد ) ، قال : ” أنبت الله – عز وجل – من الياقوتة جبلا ، فأحاط بالأرضين السبع ، على مثل خلق الياقوتة في حسنها وخضرتها وصفائها ، فصارت الأرضون السبع في ذلك الجبل كالأصبع في الخاتم ، وارتفع بإذن الله – عز وجل – في الجو حتى لم يبق بينه ، وبين السماء إلا ثمانون فرسخا ، وما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام للراكب المسرع ، ثم أنبت الله – عز وجل – هذه الجبال التي على وجه الأرض ، في برها وبحرها ، من ذلك الجبل ، فهي عروق ذلك الجبل متشعبة في الأرضين السبع ” ، فذلك قوله تعالى : ( والجبال أوتادا ) ، [ ص: ١٤٨٥ ] ( وجعلنا فيها رواسي شامخات ) ، ” فالرواسي : الثابتات الأصول إلى الأرض السابعة ، والشامخات : العاليات الفروع فوق هذه الأرض ” ، قال : ”
ولذلك الجبل رأس كرأس الرجل ، ووجه كوجه الرجل ، وقلب على قلوب الملائكة في المعرفة لله – سبحانه وتعالى – ، والخشية والطاعة له ” ، فذلك قوله – جل ذكره – : ( ق والقرآن المجيد ) ، فـ ( ق ) ، ” ذلك الجبل ، وهو اسمه ، وهو أقطار السماوات والأرض ” ، التي يقول الله – عز وجل – : ( إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض )
وخلق الله – عز وجل – في عروق ذلك الجبل ، ألوان المياه التي تجري في البحور ، من البياض والخضرة ، والسواد والصفرة ، والحمرة والكدرة ، والعذب ، والمالح ، والمنتن والزعاق ، فإذا أراد الله – عز وجل – أن يزلزل قرية أوحى إلى ذلك الجبل أن يحرك منه عرق كذا وكذا ، فإذا حركه خسف الله – عز وجل – بالقرية ، فخضرة السماء من ذلك ، وخضرة ذلك الجبل من تلك الصخرة – قضى ذلك الرحمن – تبارك وتعالى – [ ص: ١٤٨٦ ]
فهبط جبريل – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – إلى الأرض ، فلما انفرجت عنه سماء الدنيا، رمى ببصره إلى الأرض ، فإذا هي ساكنة قد استقرت بالجبال بإذن الله جلت فيه عظمة الله – عز وجل – ، فوقف مكانه ، ثم أنشأ ينظر تعجبا ، فلما رأى جبريل – صلى الله على نبينا وعليه وسلم – جبل قاف أنكره ، لما رأى من عظم خلقه ، وحسن لونه ، فقال : إن هذا الخلق ابتدعه الرحمن – تبارك وتعالى – الليلة ،
فلما أتاه أبصر خلقا عظيما عجيبا ، مع صفائه وحسن لونه ، ورأى عروقه متشعبة في الأرض ، ما بين برها وبحرها ، قد ارتفعت على وجه الأرض ، منيفة ذراها في الهواء ، فتعجب من كبرها ، واختلاف خلقها ، وتشتت ألوانها ، واستقرار الأرض عليها ، فنظر إلى ” ق ” وقبض عليها ، فقال : إلهي ! ، ما هذا ؟ قال : يا جبريل ! ، هذا الجبل . قال : إلهي ! ، وما الجبل ؟ قال : حجر . قال : إلهي ! ، هل أنت خالق خلقا هو أشد من الحجر ؟ قال : نعم ، الحديد ويقد به الحجر ، قال : إلهي ، هل أنت خالق خلقا أشد من الحديد ؟ قال : نعم ، النار يلين بها الحديد ، قال : إلهي ! هل أنت خالق خلقا هو أشد من [ ص: ١٤٨٧ ] النار ؟ قال : نعم ، الماء يطفئ به النار . قال : إلهي ! ، هل أنت خالق خلقا هو أشد من الماء ؟ قال : نعم ، الريح تفرقه أمواجا ، وتحبسه عن مجراه . قال : إلهي ! ، هل أنت خالق خلقا هو أشد من الريح ؟ قال : نعم ، ابن آدم يحتال لهذا كله بعضه ببعض ، فقال : فخر جبريل – عليه السلام – ساجدا ، فأطال السجود والبكاء ، والثناء على الله – عز وجل –
ثم قال : يا رب ! ، ما كنت أظن أنك تخلق خلقا هو أشد مني ، فأوحى الله – عز وجل – إليه : يا جبريل ! ، ما لم تر من قدرتي ، ولم تبلغ من كنه شأني ، ولم تعلم به إلى ما قد رأيت ، وعلمت كالبحر المغلوب الذي لا تعرف نواحيه ، ولا يوصف عمقه إلى قطر الرشاء . قال جبريل : كذلك أنت إلهي ! ، وأقدر وأعظم
ثم رجع إلى السماء السابعة العليا ، متقاصرة إليه نفسه ؛ لما رأى من الخلق العظيم ، والعجب العجيب ، حتى وقف في مكان متعبده من السماء السابعة ، فذلك قوله – جل ذكره – : ( والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي ) ، ( وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم ) ، [ ص: ١٤٨٨ ] ” يعني لكيلا تميد بكم ، كما كانت تفعل قبل ذلك ” .
وبذلك فالقاف ليست حرفا ولكن اسم جبل أقسم به الله تعالى وبالقران المجيد، وهما من ايات قدرة الله التي تفوق بعث رسل من اقوامهم ، والله أعلى واعلم
د/حامد أبو المجد
كاتب واديب مصري















