الحمد لله رب العالمين الذي لا خير إلا منه، ولا فضل إلا من لدنه، أحمده حمدا لا إنقطاع لراتبه،
ولا إقلاع لسحائبه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، مجزل الهبات والعطايا،
وغافر الذنوب والخطايا، وعالم المقاصد والنوايا، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والسائرين على ذلك السبيل،
وسائر المنتمين إلى ذلك القبيل، أما بعد إخوة الإسلام، كلما أقبل شهر رمضان إشتاقت نفوس الصالحين، وتلهفت قلوب المؤمنين، وتأهبت عزائم العارفين وتواعدت همم العاميين للصيام والقيام، للصلح والسلام للتزاحم والتراحم لقراءة القرآن وإسداء الإحسان، إنه الشهر الذي تظمأ فيها الحناجر، وترتوي فيه القلوب، وتمتلئ فيه الأرواح، ويوهن فيه الجسد، ويقوى فيه الإيمان، تفتر فيه الحركة، ويشتد فيه الإرتباط بالله تعالي.
ولقد كان الصحابة الكرام، قبل ستة أشهر يدعون ربهم أن يبلغهم رمضان، فإذا أدركوه دعوا ستة أشهر أخرى أن يتقبله الله منهم، وهكذا الصالحون من بعدهم، بل يتمنون أن تكون السنة كلها رمضان، فيا أيها المسلمون جاء شهر رمضان بالإيمان والقرآن، وجاء رمضان بالإحسان والغفران، وجاء رمضان بالرجاء والدعاء، وجاء رمضان بالسخاء والعطاء، وجاء رمضان بالصوم والصلاة، وجاء رمضان بالمساواة والمواساة، وجاء رمضان بصلة الأرحام وبر الأيتام، وجاء رمضان بالتعاون والتكافل، وجاء رمضان يقرّب البعيد ويصالح المتخاصم ويفرح الفقير ويحنو على المسكين، وجاء رمضان يصل الأرحام، ويبرّ الأيتام، وينشر السلام، ويجتمع المسلمون على موائده يفطرون في وقت واحد، ويمسكون كذلك في وقت واحد.
وجاء شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبيّنات من الهدى والفرقان، فبزغ قمره بالحب والصفاء، وأشرقت شمسه بالنور والضياء، وسطع للمؤمنين نوره، وتفتحت للصائمين أزهاره، وتباينت للمسلمين أسراره، وجاء شهر رمضان بالبشرى للصائمين، والأمل للقائمين، والرفعة للقارئين، والزيادة للمتصدقين، والمغفرة للتائبين، وجاء رمضان داعيا لترك المنكرات، وراجيا للعفو عن السيئات، ومناديا بحب المساكين، وإنه ينبغي علي كل مسلم وضع خطة وبرنامج عملي للإستفادة من شهر رمضان، وخصوصا ومن في نعيش في أيامه الأولي، فالكثيرون من الناس وللأسف الشديد حتى الملتزمين بهذا الدين يخططون تخطيطًا دقيقا لأمور الدنيا، ولكن قليلون هم الذين يخططون لأمور الآخرة، وهذا ناتج عن عدم الإدراك لمهمة المؤمن في هذه الحياة.
ونسي أو تناسى أن للمسلم فرصا كثيرة مع الله تعالي ومواعيد مهمة لتربية نفسه حتى تثبت على هذا الأمر، ومن أمثلة هذا التخطيط للآخرة، التخطيط لإستغلال رمضان في الطاعات والعبادات، فيضع المسلم له برنامجا عمليا لإغتنام أيام وليالي رمضان في طاعة الله تعالى يصلي الأوقات في المسجد جماعة، والمحافظة على صلاة الضحى، وصلة الأرحام والإنفاق وزيارة المرضي وحضور الجنائز وغير ذلك، فتقوم بعمل جدول في كراسة من ثلاثين خانة ولكل يوم تسطر فيه أعماله، ثم توقع عليها وتكتب شرطًا جزائيا أقر أنا الموقع أدناه أنني لن أقصر في أي بند من البنود سالفة الذكر، وإذا قصرت أتعهد بدفع مبلغ خمسة جنيهات صدقة حتى الشرط الجزائي يكون طاعة، وهكذا أحبتي في الله لو التزمنا بكل ما سمعناه نكون من الفائزين في رمضان الفرحين في الدنيا والآخرة