الحمد لله العظيم في قدره، العزيز في قهره، العليم بحال العبد في سرّه وجهره، يسمع أنين المظلوم عند ضعف صبره، ويجود عليه بإعانته ونصره، أحمده على القدر خيره وشره، وأشكره على القضاء حلوه ومره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الآيات الباهرة، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ما جاد السّحاب بقطره، وطلّ الربيع بزهره، وسلم تسليما كثيرا، ثم أما بعد إن من مظاهر توقير النبي المصطفي صلى الله عليه وسلم الغضب له والغيرة عليه عندما يُذكر اسمه بسوء أو يُمس جنابه بأذى، فإن جنابه أعظم جناب، فمن حام حوله بسوء فهو المجرم الملعون، وهو الآثم الظالم المأفون، لا خير فيه، ولا حق له ولا احترام ولا كرامة، كما قال عز وجل “إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا”
فالواجب على أتباع النبي صلى الله عليه وسلم أن يذبوا عنه، وأن يدافعوا عن جنابه وأن يقوموا لله دفاعا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فما في الدنيا أجلّ ولا أشرف ولا أعظم حقا منه، فاللهم ارزقنا توقير نبيك صلى الله عليه وسلم وتعظيمه وإتباع سنته، والذب عن جنابه الكريم، واللهم ارزقنا شفاعته وأوردنا حوضه وأكرمنا بجيرته في جنات النعيم، وعند إستعراض النصائح النبوية التي حفلت بها كتب السنة، نجد أنها ترتبط ارتباطا وثيقا بحاجات الناس ومشاكلهم وتراعي تنوعها وإختلافها فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم ينصح أقواما بالإجتهاد في العبادة والإكثار منها، فإنه ينصح آخرين بالقصد في العبادة حينما يراهم تجاوزوا الحد المطلوب، وكلفوا أنفسهم ما لا يطيقون، ومن ذلك نصيحته لعثمان بن مظعون رضي الله عنه عندما علم من حاله الغلو والمبالغة في التعبد.
فقد قال له “يا عثمان أرغبت عن سنتي ؟” فقال ” لا والله يا رسول الله، ولكن سنتك أطلب ” فقال له “فإني أنام وأصلي، وأصوم وأفطر، وأنكح النساء، فاتق الله ياعثمان فإن لأهلك عليك حقا وإن لضيفك عليك حقا وإن لنفسك عليك حقا، فصم وأفطر، وصلي ونم” رواه أبو داود، وأحيانا ربما رأى النبي صلى الله عليه وسلم من بعض أصحابه ميلا إلى الدنيا، فيحذرهم من الإغترار أو التعلق بها ومن المواقف الدالة على ذلك قول حكيم بن حزام رضي الله عنه ” سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال ” يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، اليد العليا خير من اليد السفلى ” متفق عليه.
فوقعت هذه النصيحة في نفس حكيم رضي الله عنه وتأثر منها غاية التأثر حتى عاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يسأل أحدا بعده أبدا، وظل على عهده ذلك طيلة حياته، ومن هذا الباب أيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه “يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإمارة فإنك إن أوتيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أوتيتها من غير مسألة أُعنت عليها” متفق عليه، وتتنوع نصائح النبي صلى الله عليه وسلم بين السر والعلن والفردية والجماعية تبعا لمقتضى الحال ومن جملة النصائح الجماعية، قوله عليه الصلاة والسلام للشباب “يا معشر الشباب، من استطاع الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء، أي كاسر لحدة الشهوة ” متفق عليه