ما بعد الدوحة.. هل تفتح إسرائيل جبهة مع العواصم العربية؟”
بقلم : علياء الهواري
في سابقة خطيرة وغير مسبوقة، تحولت سماء الدوحة، العاصمة الهادئة والمضيئة بمراكزها الاقتصادية والثقافية،
إلى ساحة لنيران إسرائيلية اخترقت كل الخطوط الحمراء. استهداف مبنى في منطقة كتارا،
وسقوط ضحايا بينهم خمسة من حركة حماس وعنصر من الأمن القطري،
لم يكن مجرد ضربة عسكرية عابرة، بل زلزال سياسي وأمني يفتح بابًا على مرحلة جديدة
من الصراع: من حرب محصورة في غزة، إلى مواجهة عابرة للحدود تصل إلى قلب العواصم الخليجية.
هذه الضربة لم تهز قطر وحدها، بل أثارت ذهولًا في الإقليم والعالم،
وأرسلت رسائل بالغة القسوة إلى كل دولة تستضيف قادة المقاومة الفلسطينية: لا مكان آمن بعد اليوم
بحسب ما ورد من المصادر الرسمية والإعلامية، نفذت إسرائيل عملية نوعية استهدفت مبنى سكنيًا في منطقة كتارا بالعاصمة القطرية الدوحة، كان يُعتقد أنه يأوي عددًا من قيادات حركة حماس.
الهجوم أسفر عن سقوط ستة قتلى، بينهم خمسة من كوادر الحركة وعنصر من قوات الأمن القطري.
العملية وقعت في لحظة حساسة، إذ كانت تجري مباحثات غير معلنة بين ممثلين عن حماس ومسؤولين أمريكيين وإسرائيليين بوساطة قطرية، بهدف التوصل إلى وقف إطلاق نار في غزة وصفقة تبادل أسرى. وهنا تتضاعف خطورة الضربة: فهي لم تستهدف أشخاصًا فقط، بل استهدفت مسارًا دبلوماسيًا بكامله.
ورغم الجدل حول مصير القيادات المستهدفة، وما إذا كان بعضهم قد نجا، فإن الرسالة الإسرائيلية وصلت واضحة: لا حصانة لأحد، ولا حصانة لأي مكان.
قطر سارعت إلى إدانة العملية واعتبرتها انتهاكًا سافرًا لسيادتها وخرقًا صارخًا للقانون الدولي. الدوحة رأت في هذا الهجوم ليس مجرد تهديدًا لأمنها الداخلي، بل ضربة مباشرة لدورها كوسيط أساسي في ملفات إقليمية معقدة.
في خطوة لافتة، أعلنت قطر عن عقد قمة عربية إسلامية طارئة لمناقشة التطورات، في محاولة لتشكيل جبهة سياسية ضد ما تعتبره “سابقة خطيرة” قد تُحوّل أي دولة عربية إلى ساحة لتصفية الحسابات الإسرائيلية.
الدول العربية والإسلامية تتابعت إداناتها، فيما بدا أن الموقف الدولي يتأرجح بين الصمت الحذر والإدانات الدبلوماسية المعتادة، ما يعكس حجم الحرج في التعامل مع تصعيد بهذا المستوى.
الصدمة التي أصابت قطر امتدت فورًا إلى جيرانها في الخليج. دول مثل السعودية والإمارات والبحرين والكويت تابعت الحدث بقلق بالغ، ليس فقط تضامنًا مع قطر، وإنما خشية أن تتكرر التجربة على أراضيها.
فالسعودية التي استضافت جولات مفاوضات سابقة بين الفصائل الفلسطينية، والإمارات التي تحتفظ بعلاقات سياسية وأمنية مع إسرائيل، تدركان أن الحسابات الإسرائيلية قد لا تقف عند حدود دولة بعينها.
كما أن الكويت، التي لطالما شكّلت بيئة داعمة للقضية الفلسطينية، والبحرين التي استضافت مؤتمرات مرتبطة بالتطبيع، ليستا بعيدتين عن دائرة القلق.
هنا يظهر أن الضربة في الدوحة لم تكن مجرد رسالة لحماس وحدها، بل جرس إنذار لكل دول الخليج: استضافة قيادات المقاومة أو حتى مجرد لعب دور الوسيط لم يعد آمنًا.
إسرائيل أرادت من هذه العملية أكثر من اغتيال مجموعة من القيادات.
أولًا: إيصال رسالة ردع استراتيجية بأن يدها طويلة وتستطيع الوصول حتى إلى “قلب الخليج”.
ثانيًا: كسر الحاضنة الدبلوماسية لحماس، من خلال ضرب الدولة التي تمثل القناة الأبرز للتفاوض والوساطة.
ثالثًا: اختبار الموقف الدولي، والتأكد من غياب “الخطوط الحمراء” أمام تحركاتها حتى لو تعلّق الأمر بدولة ذات سيادة مثل قطر.
العملية إذن جزء من عقلية إسرائيلية ترى أن الصراع يجب أن يُنقل من غزة إلى كل مكان يتواجد فيه قادة المقاومة، وأن “الحرب بلا حدود” هي السبيل للضغط وإخضاع الخصم.
بعد قطر، يطرح السؤال نفسه: من الدولة التالية التي قد تكون عرضة لضربة مشابهة؟
تركيا: بحكم علاقاتها الوثيقة مع حماس، واستضافتها عدداً من قياداتها.
لبنان: الذي يحتضن قيادات من حماس والجهاد الإسلامي وحزب الله.
ماليزيا: التي أعلنت أكثر من مرة رفضها للتطبيع واحتضانها لشخصيات من المقاومة.
الجزائر: بما تمثله من موقف سياسي داعم قوي للفلسطينيين.
الخوف الأكبر أن تتحول أي دولة تقدم دعمًا سياسيًا أو تستضيف قيادات المقاومة إلى “هدف مشروع” في العقلية الإسرائيلية، ما ينذر بتوسيع دائرة المواجهة إلى مستويات غير مسبوقة.
على مستوى الوساطة: الضربة تقوض الدور القطري وتفتح الباب أمام تركيا أو مصر أو حتى إيران لطرح أنفسهم كبدائل.
على مستوى الأمن الإقليمي: إذا لم يأتِ رد عربي جماعي، قد تكرّر إسرائيل هذه السياسة لتفرض معادلة جديدة في المنطقة.
على مستوى العلاقات الخليجية – الإسرائيلية: الدول المطبّعة تجد نفسها الآن أمام معضلة؛ فكيف يمكن الاستمرار في علاقات طبيعية مع طرف لا يتردد في خرق سيادة دولة جارة؟
ضربة الدوحة لم تكن مجرد عملية اغتيال، بل حدث استراتيجي أعاد رسم خريطة المخاطر في الشرق الأوسط. لقد تحوّل الخليج، الذي كان يُنظر إليه كملاذ آمن من نيران الصراع، إلى جزء من ميدان الحرب المفتوحة.
وإذا كان السؤال اليوم: “لماذا قطر؟”، فإن السؤال الأخطر غدًا سيكون: “من التالية؟”.
فهل ستقف العواصم العربية والإسلامية مكتوفة الأيدي أمام هذا الانتهاك السافر، أم أن ضربة الدوحة ستكون لحظة فاصلة تُعيد تشكيل معادلة الردع والاصطفاف في المنطقة؟
الأكيد أن ما بعد الدوحة ليس كما قبلها، وأن الشرق الأوسط دخل مرحلة جديدة، لا مكان فيها للحياد ولا للرهان على أن النار ستظل بعيدة عن الديار.














