من غزة إلى الإقليم حرب تتوسع بلا حدود وتعيد رسم خريطة الشرق الأوسط

تقرير : علياء الهواري

لم تعد الحرب الجارية في المنطقة تُقرأ باعتبارها مواجهة محصورة في جغرافيا غزة أو محيطها المباشر،

بل تحولت تدريجيًا إلى حالة إقليمية مفتوحة تتداخل فيها الجبهات، وتتشابك فيها الحسابات،

بحيث أصبح كل طرف جزءًا من معادلة أوسع بكثير من حدود الصراع التقليدي.

ما بدأ كتصعيد عسكري مركّز في غزة، سرعان ما تمدد ليشمل ساحات متعددة، من جنوب لبنان إلى البحر الأحمر، ومن الداخل الإسرائيلي إلى العمق الإيراني،

وصولًا إلى حضور أمريكي مباشر وغير مباشر في إدارة مسار الأحداث.

هذا التحول لم يغير فقط طبيعة الاشتباك، بل أعاد تعريف مفهوم الحرب في المنطقة بالكامل.

اليوم نحن أمام مشهد مركب تتداخل فيه خمسة أطراف رئيسية: إيران، إسرائيل، الولايات المتحدة، حزب الله، والحوثيون.

لكن ما يميز هذا المشهد ليس فقط تعدد اللاعبين، بل الترابط غير المعلن بين الجبهات،

بحيث أصبح أي تصعيد في نقطة ما قادرًا على إشعال نقاط أخرى بشكل متسلسل.

في غزة، بدأت الحرب كعملية عسكرية واسعة، لكنها تحولت بسرعة إلى نقطة انطلاق لسلسلة من الردود الإقليمية.

ومع اتساع رقعة الاشتباك، لم تعد غزة وحدها هي ساحة المواجهة،

بل أصبحت الشرارة الأولى في شبكة صراع ممتدة تمتد عبر خرائط مختلفة، لكنها متصلة في الجوهر.

إسرائيل من جانبها تتعامل مع الوضع باعتباره تهديدًا متعدد الجبهات، وليس حربًا واحدة.

هذا التحول في العقيدة الأمنية الإسرائيلية دفع باتجاه توسيع نطاق الردود العسكرية،

واعتماد سياسة تقوم على استهداف مصادر التهديد أينما وُجدت،

وليس فقط داخل غزة. هذا النهج خلق بدوره حالة من التوسع المستمر في رقعة الاشتباك.

في الشمال، دخل حزب الله على خط المواجهة بشكل متدرج لكنه ثابت،

محولًا الحدود اللبنانية الإسرائيلية إلى جبهة اشتباك شبه يومية.

هذا التصعيد لم يصل إلى حرب شاملة بعد، لكنه أبقى الجبهة الشمالية في حالة اشتعال منخفض مستمر، قابل للانفجار في أي لحظة.

في البحر الأحمر، ظهرت جبهة جديدة تمثلت في الحوثيين، الذين أدخلوا البعد البحري إلى المعادلة،

عبر استهداف خطوط الملاحة الدولية. هذا التطور لم يوسع فقط نطاق الصراع جغرافيًا،

بل أدخله في دائرة الاقتصاد العالمي، ما دفع قوى دولية إلى التدخل المباشر لحماية الممرات البحرية.

أما إيران، فهي تمثل العقدة المركزية في هذا المشهد.

فطهران لا تشارك في المواجهة بشكل مباشر واسع النطاق، لكنها حاضرة عبر شبكة من الحلفاء والردود غير المباشرة.

هذا النمط من الاشتباك جعلها طرفًا مؤثرًا في كل الجبهات تقريبًا، دون الدخول الكامل في حرب مفتوحة حتى الآن.

الولايات المتحدة بدورها تتحرك كقوة إدارة للأزمة أكثر من كونها طرفًا في حرب مباشرة،

لكنها في الواقع لاعب أساسي في تحديد سقف التصعيد.

وجودها العسكري والسياسي في المنطقة يجعلها عنصر ضبط وإعادة توازن،

لكنه في الوقت ذاته يضيف طبقة إضافية من التعقيد إلى المشهد.

ما يحدث اليوم يمكن وصفه بأنه انتقال من “حرب مركزية” إلى “حرب شبكية”،

حيث لم تعد هناك جبهة واحدة تقود المشهد، بل مجموعة من الجبهات المتداخلة التي تؤثر في بعضها البعض بشكل لحظي.

هذا النوع من الحروب يختلف جذريًا عن الحروب التقليدية، لأنه لا ينتهي بانتهاء معركة واحدة، بل يتجدد باستمرار عبر ساحات متعددة.

الأخطر في هذا التحول أن قواعد الاشتباك لم تعد واضحة كما كانت في السابق.

فالحرب لم تعد إعلانًا رسميًا بين دولتين، بل أصبحت سلسلة من الردود المتبادلة، والعمليات المحدودة،

والرسائل العسكرية التي تحمل في طياتها أكثر من معنى.

هذا الغموض يجعل كل حدث صغير قابلًا للتحول إلى أزمة كبرى.

في هذا السياق، يمكن فهم ما يحدث على أنه إعادة تشكيل لمنظومة الردع في المنطقة.

فكل طرف يسعى لإثبات قدرته على التأثير دون الوصول إلى نقطة الحرب الشاملة.

لكن المشكلة أن تراكم هذه الرسائل قد يؤدي في النهاية إلى فقدان السيطرة على مسار التصعيد.

من غزة إلى جنوب لبنان، ومن البحر الأحمر إلى الداخل الإيراني، يبدو أن المنطقة دخلت مرحلة “تعدد الجبهات المفتوحة”،

حيث لم يعد بالإمكان فصل أي ساحة عن الأخرى. كل جبهة أصبحت مرآة للجبهة الأخرى، وكل تصعيد محلي يحمل انعكاسات إقليمية فورية.

هذا الترابط جعل من الصعب التنبؤ بمسار الأحداث، لأن القرار لم يعد في يد طرف واحد،

بل في شبكة معقدة من الحسابات المتبادلة. وفي مثل هذا النوع من الصراعات،

لا يكون السؤال متى تنتهي الحرب، بل كيف تُدار دون أن تتحول إلى انفجار شامل.

التحول الأخطر في هذا المشهد هو أن الحرب لم تعد حدثًا استثنائيًا، بل أصبحت حالة مستمرة تُدار على مستويات مختلفة.

هذا يعني أن المنطقة لم تعد تعيش بين حرب وسلام، بل داخل مساحة رمادية طويلة من التوتر المستمر.

وفي ظل هذا الواقع، يبقى السؤال مفتوحًا حول قدرة الأطراف المختلفة على ضبط إيقاع التصعيد.

فكل طرف يعتقد أنه يملك السيطرة، لكن التاريخ القريب للصراعات المعقدة في المنطقة

يقول إن السيطرة في مثل هذه الحالات تكون مؤقتة وهشة.

ما نشهده اليوم ليس مجرد توسع في رقعة الحرب، بل تحول في طبيعتها نفسها. من حرب محدودة إلى صراع إقليمي مفتوح،

ومن مواجهة مباشرة إلى شبكة اشتباك متعددة الطبقات.

وبين هذا وذاك، تبقى المنطقة في حالة اختبار مستمر، لا أحد يعرف متى ينتهي، ولا كيف يمكن ضبطه قبل أن يتحول إلى شيء أكبر مما يمكن احتواؤه.

إرسال التعليق

You May Have Missed