الطيبون والطيبات… حين تتحول النصيحة إلى تخويف من نعم الله

بقلم  اسامة عبدالخالق

في زمن أصبحت فيه وسائل التواصل ساحة مفتوحة لكل من يملك رأيًا أو تجربة شخصية، خرجت علينا موجة من “الأنظمة الغذائية الصادمة” التي تتجاوز حدود المنطق والعلم،

ومن بينها ما يطرحه الدكتور ضياء العوضي، والذي أثار جدلًا واسعًا بسبب دعوته إلى الامتناع عن كثير من الأطعمة التي تعد من نعم الله الأساسية للإنسان.

كيف يمكن أن يتحول الدقيق، والمكرونة، والفراخ، والبيض، والجبن الطبيعي مثل القريش،

بل والجمبري والبقول والخضروات، إلى قائمة “محظورات”؟ بل كيف يصل الأمر إلى التحذير

من الفواكه مثل البطيخ والشمام، وحتى الشاي؟

هذا الطرح لا يثير فقط الاستغراب، بل يفتح بابًا واسعًا للتساؤل: هل نحن أمام نظام صحي حقيقي أم مجرد اجتهادات فردية تفتقر إلى التوازن؟
الغذاء في جوهره ليس عدوًا للإنسان، بل هو مصدر الحياة والطاقة. وقد خلق الله هذه النعم بتنوعها لتلبي احتياجات الجسم المختلفة، لا ليتم شيطنتها أو التخويف منها بشكل مطلق. المنع الكامل لمجموعة كبيرة من الأطعمة دون مبرر طبي واضح قد يؤدي إلى خلل في التوازن الغذائي، ونقص في العناصر الأساسية التي يحتاجها الجسم.
الأكثر إثارة للقلق هو الترويج لفكرة الامتناع عن الطعام لعدة أيام والاكتفاء بالماء فقط، تحت دعوى أن الجسم سيعتمد على مخزونه الداخلي. صحيح أن الجسم يمتلك آليات للتعامل مع نقص الغذاء لفترات قصيرة، لكن تحويل ذلك إلى أسلوب حياة أو الترويج له بشكل غير مدروس قد يعرض الإنسان لمخاطر صحية حقيقية، خاصة إذا تم دون إشراف طبي متخصص.
أما الحديث عن أن السمنة لا تضر، فهو طرح يتناقض مع ما استقرت عليه الأبحاث الطبية، التي تؤكد أن زيادة الوزن المفرطة ترتبط بالعديد من الأمراض المزمنة مثل أمراض القلب والسكري وارتفاع ضغط الدم. التوازن هو الأساس، لا الإفراط ولا التفريط.
المشكلة ليست في طرح أفكار جديدة أو أنظمة مختلفة، بل في تقديمها كحقائق مطلقة، وتعميمها على الجميع دون مراعاة الفروق الفردية أو الأسس العلمية. كثير ممن ينجذبون لهذه الأنظمة يفعلون ذلك بدافع البحث عن حل سريع، لكنهم قد يدفعون ثمنًا صحيًا باهظًا نتيجة غياب التوازن.
في النهاية، تبقى القاعدة البسيطة هي الأصدق: “كلوا واشربوا ولا تسرفوا”. الاعتدال، والتنوع، والرجوع إلى المصادر الطبية الموثوقة، هي الطريق الآمن للحفاظ على الصحة، بعيدًا عن التخويف من نعم الله أو الانجراف وراء تجارب غير محسوبة.
فليس كل ما يُقال يُتبع، ولا كل ما يبدو مختلفًا يكون صحيحًا.

إرسال التعليق

You May Have Missed