الفساد والطمع في شهوات الدنيا
.فرحه الباروكي
27 نوفمبر، 2025
الدين والدنيا
عدد المشاهدات 5371 154
بقلم / محمـــد الدكـــروري
الحمد لله كما أمر، والشكر له وقد تأذن بالزيادة لمن شكر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
إرغاما لمن جحد به وكفر،
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الشافع المشفع في المحشر، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه،
السادة الغرر، وسلم تسليما كثيرا ما رأت عين وامتد نظر،
أما بعد ذكرت المصادر الإسلامية الكثير عن الغش والطمع، وأنه طريق لحرمان إجابة الدعاء،
وأنه طريق لحرمان البركة في المال والعمر، وقد تجد شريحة من المعلمين والمعلمات لا يتقون الله في الشرح وتبيين الدروس لطلابهم،
فيتركون الغامض من الدروس ويعقّدون السهل منها وذلك من أجل مساومة الطلاب على أن الفهم الصحيح والتحصيل الأكيد لن يكون إلا بدرس خصوصي،
بعيدا عن ساحة المدرسة وقاعة الفصل الدراسي، فيصبح المعلم بذلك غاشا لله ورسوله وغاشا للأمانة التي حمّلها الله إياه.
وهي أمانة التعليم، وأمانة التربية، وأمانة الجيل الذي يستطيع أن يساهم في إخراجه على أحسن وجه وأطيب أثر،
ولا يكون ذلك الغش إلا سببا في ضياع الضمائر، وعثرة كبيرة أمام أولياء الأمور الذين لا يستطيعون مواكبة الدرس الخصوصي ومصاريفه، ثم في النهاية فإن هذا الغش يخرج للمجتمع لا محالة جيلا ناقما على المعلمين،
الذين هم في الحقيقة إذا كانوا أمناء بحق وعلى حق، وعملوا بحق الأمانة،
لكانوا والله كالرسل تقبّل أقدامهم قبل أيديهم
فهم السّراج ومعالم الطريق القويم وشمس الهداية لتلاميذ
يراد لهم غد مشرق وأن يكونوا جيلا صالحا منتجا،
فيا معلما ويا معلمة غاشا في عملك اتقي الله فالغش ضياع لتلاميذك، ومجلبة للنقمة ومحق للبركة من رزقك،
واعلموا أنه ما من شيء أفسد لدين المرء من الطمع في شهوات الدنيا من مال أو منصب أو جاه.
ذلك أن العبد إذا استرسل مع الأمنيات إستعبدته كما قال القائل “العبد حر ما قنع والحر عبد ما طمع ” وقال آخر “أطعت مطامعي فاستعبدتني ولو أني قنعت لكنت حرا”
ويقول الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى وهكذا حال من كان متعلقا برئاسة أو ثروة ونحو ذلك من أهواء نفسه، إن حصل له رضي وإن لم يحصل له سخط، فهذا عبد ما يهواه من ذلك، وهو رقيق له إذا لم يحصل، والعبودية في الحقيقة هي رق القلب وعبوديته، ولأجل هذا المعنى كان يقال الطمع فقر، واليأس غنى، وإن أحدكم إذا يئس من شيء إستغنى عنه، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الطمع أشد التحذير فقال ” وأهل النار خمسة والخائن الذي لا يخفى له طمع، وإن دق إلا خانه ” وكان صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله “من نفس لا تشبع” والطمع يمحق البركة ويشعر النفس بحالة الفقر الدائم.
فعن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال “سألت رسول الله فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال “يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يُبارك له فيه، كالذي يأكل ولا يشبع” وكان السلف يرون أن الطمع يذهب بركة العلم، فقد إجتمع كعب وعبد الله بن سلام، فقال كعب يا بن سلام من أرباب العلم؟ قال الذين يعملون به، قال فما أذهب العلمَ عن قلوب العلماء بعد أن علموه؟ قال الطمع، وشره النفس، وطلب الحوائج إلى الناس، ومن كان ذا طمع مسيطر على قلبه فإن الذل قرينه لأنه يبذل عرضه في سبيل تحقيق ما هوته نفسه وطمع فيه قلبه وفي هذا المعنى يقول أبو العتاهية رحمه الله ” تعالى الله يا سلم بن عمرو أذلّ الحرص أعناق الرجال ” وقال بعضهم الحرص ينقص قدر الإنسان، ولا يزيد في رزقه.