حب الذات والنوازع البشرية السيئة

بقلم محمـد الدكروري

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد إن الصديق يجب أن يكون عونا لأخيه، ويكونا كالجسد الواحد في روح واحدة، وتكون علاقتهما مبنية على الشفافية، والصدق فيما بينهم، حتى لو تخللتها بعض الصعاب، فالإنسان هو عبارة عن أخطاء متراكمة، وكل له عيوبه، فيجب على الصديق المخلص أن يتحمل صديقه في كل الأوقات والأزمات لكي يخرجا بنتيجة واحدة، ألا وهي المحبة الحقيقية، والتي تسمى “حبا في الله” وهذه الصداقة أصبحت نادرة الآن في زمن قلّ فيه الحب الأخلاقي، هذا الحب الذي لا يرجو مصلحة ما، ولا غاية من أحد ما، مهما بلغت أهمية ذلك الشخص.


فالصداقة الحقيقية هي التي تبتعد عن حب الذات والنوازع البشرية السيئة، وإن الصديق السوء يتبرأ من صاحبه يوم القيامة، حيث قال الله تعالى كما جاء في سورة الفرقان ” ويوم يعض الظالم علي يديه يقول يا ليتني إتخذت مع الرسول سبيلا، يا ويلتي ليتني لم أتخذ فلانا خليلا، لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا ” وقال الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية أنه يخبر الله تعالى عن ندم الظالم الذي فارق طريق الرسول صلي الله عليه وسلم وما جاء به من عند الله تعالي من الحق المبين، الذي لا مرية فيه، وسلك طريقا أخرى غير سبيل الرسول، فإذا كان يوم القيامة ندم حيث لا ينفعه الندم، وعضّ على يديه حسرة وأسفا، وإن من حق الصديق علي صديقه هو الوفاء والإخلاص.

ومعنى الوفاء هو الثبات على الحب، وإدامته إلى الموت معه، وبعد الموت مع أولاده وأصدقائه، فإن الحب إنما يراد للآخرة، فمن الوفاء للأخ مراعاة جميع أصدقائه وأقاربه والمتعلقين به، ومراعاتهم أوقع في قلب الصديق من مراعاة الأخ في نفسه، فإن فرحه بتفقد من يتعلق به أكثر، لدلالته على قوة الشفقة والحب، ومن ثمرات المودة في الله ألا تكون مع حسد في دين ودنيا، وكيف يحسده وكل ما هو لأخيه فإليه ترجع فائدته، وبه وصف الله تعالى المحبين في الله تعالى فقال تعالي كما جاء في سورة الحشر ” ولا يجدون في صدورهم حاجه مما أوتوا ويؤثرون علي انفسهم” ووجود الحاجة هو الحسد، ومن الوفاء ألا يتغير حاله في التواصل مع أخيه، وإن إرتفع شأنه، وإتسعت ولايته، وعظم جاهه.

والترفع على الإخوان بما يتجدد من الأحوال لؤم، ومن الوفاء ألا يصادق عدوّ صديقه، وقال الإمام الشافعي رحمه الله “إذا أطاع صديقك عدوك، فقد إشتركا في عداوتك” وليس من الوفاء موافقة الأخ فيما يخالف الحق في أمر يتعلق بالدين، بل من الوفاء له المخالفة والنصح لله تعالي، وقال أبو حيان التوحيدي رحمه الله لا تكل نفسك إلى اختيار السوء، وإلى قرناء السوء فإنك إن فعلت ذلك، خسرت خسرانا مبينا، وضللت ضلالا بعيدا، وتحرقت أسفا، وتقطعت ندما، وقال الإمام محمد رشيد رضا رحمه الله يجب على الآباء منع أبنائهم عن قرناء السوء فإن الولد يستفيد من مثله أكثر مما يستفيد من أبيه وأمه لأن أفكار تربه في درجة أفكاره، ورغباته من جنس رغباته، وأعماله من قبيل أعماله.

You May Have Missed