بقلم / محمـــد الدكـــروري
اعلموا أن الإعتكاف سُنة مأثورة وشعيرة مبرورة، وقد أوشكت أن تكون بين الناس مهجورة، فينبغي لمن تيسّر له أمره إحياؤها والترغيب فيها، فإن “من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء” كما أخبرنا بذلك النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، وكما قال صلي الله عليه وسلم ” من دل علي خير فله مثل أجر فاعله” ويشترط في المعتكف حتى يصح اعتكافه شروط وهو أن يكون مسلما فلا يصح من كافر أو مرتدا، وأن يكون عاقلا مميزا فلا يصح من مجنون ولا طفل لعدم النية، وأن يكون طاهرا مما وجب غسلا، فلا يصح من جنب ونحوه ولو متوضئا ولا تمنع المستحاضة منه، ولا يصح الاعتكاف إلا بنية لأنه عبادة محضة كالصوم ولحديث النبي صلي الله عليه وسلم ” إنما الأعمال بالنيات” ويحرم على المعتكف الجماع ومقدماته من التقبيل واللمس لشهوة.
فإذا أنزل بجماع ونحوه بطل إعتكافه، أما القبلة واللمس بشهوة فقد قال أبو حنيفة وأحمد أنه قد أساء لأنه قد أتى بما يحرم عليه، ولا يفسد اعتكافه إلا أن ينزل، وقال مالك يفسد اعتكافه لأنها مباشرة محرمة فتفسد كما لو أنزل، وعن الشافعي روايتان كالمذهبين، وقال ابن رشد وسبب اختلافهم، هل الاسم المشترك، بين الحقيقة والمجاز له عموم أم لا وهو أحد أنواع الاسم المشترك، وأما خروجه من المسجد فإن كان ببعض بدنه فلا بأس به لحديث السيدة عائشة رضي الله عنها قالت “كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج رأسه إلي وهو معتكف فأغسله وأنا حائض” وإن كان خروجه بجميع بدنه فهو على ثلاثة أقسام، فالأول هو الخروج لأمر لا بد منه طبعا أو شرعا كقضاء حاجة البول والغائط والوضوء الواجب، والغسل الواجب لجنابة أو غيرها والأكل والشرب، فهذا جائز إذا لم يمكن فعله في المسجد، فإن أمكن فعله في المسجد فلا.
مثل أن يكون في المسجد حمام يمكنه أن يقضي حاجته فيه وأن يغتسل فيه، أو يكون له من يأتيه بالأكل والشرب فلا يخرج حينئذ لعدم الحاجة إليه، والثاني وهو الخروج لأمر طاعة لا تجب عليه كعيادة مريض وشهود جنازة ونحو ذلك، فلا يفعله إلا أن يشترط ذلك في ابتداء اعتكافه، مثل أن يكون عنده مريض يحب أن يعوده، أو يخشى من موته، فيشترط في ابتداء اعتكافه خروجه لذلك فلا بأس به، والثالث وهو الخروج لأمر ينافي الاعتكاف كالخروج للبيع والشراء وجماع أهله ومباشرتهم ونحو ذلك، فلا يفعله لا بشرط ولا بغير شرط لأنه يناقض الإعتكاف وينافي المقصود منه، وذكر أنه من شرع في الاعتكاف متطوعا ثم قطعه استحب له قضاءه وقيل يجب، وقال الترمذي واختلف أهل العلم في المعتكف إذا قطع اعتكافه قبل أن يتمه على ما نوى، فقال مالك إذا انقضى إعتكافه وجب عليه القضاء، واحتجوا بالحديث.
“أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من اعتكافه فاعتكف عشرا من شوال” وقال الشافعي إن لم يكن عليه نذر اعتكاف أو شيء أوجبه على نفسه وكان متطوعا, فخرج فليس عليه قضاء، إلا أن يحب ذلك اختيارا منه، وقال الشافعي إذا دخلت فيه وخرجت منه فليس عليك أن تقضي إلا الحج والعمرة، أما من نذر أن يعتكف يوما أو أياما ثم شرع فيه وأفسده وجب عليه قضاؤه متى قدر عليه باتفاق ألائمة، فإن مات قبل أن يقضيه لا يقضى عنه، وعن الإمام أحمد قال أنه يجب على وليه أن يقضي ذلك عنه، وإن للاعتكاف جملة من الآداب يحسن بالمعتكفين مراعاتها، والأخذ بها ليكون إعتكافهم كاملا مقبولا بإذن الله وهذه الآداب هي استحضار النية الصالحة، واحتساب الأجر على الله عز وجل، واستشعار الحكمة من الاعتكاف، وهي الانقطاع للعبادة، وجمعيّة القلب على الله تعالى، وألا يخرج المعتكف إلا لحاجته التي لا
بد منها.
صدى – مصر من مصر لكل العالم