الحمد لك يا رب العالمين، أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيران ثم أما بعد لقد كان رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم رحيما، وقد وصفه ربه عز وجل بقوله تعالي ” وما أرسلناك رحمة للعالمين ” فهو رحمة للبشرية، فقد ورد عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال ” إنما أنا رحمة مهداة” رواه الدارمي، ورأى ولد إحدى بناته تفيض روحه، فبكى، فلما سئل عن ذلك قال صلى الله عليه وسلم ” هذه رحمة يضعها الله في قلب من يشاء من عباده، وإنما يرحم الله من عباه الرحماء” رواه البخاري ومسلم، وكان رحمة على القريب والبعيد، عزيز عليه أن يدخل على الناس مشقة، فكان يخفف بالناس مراعاة لأحوالهم.
وربما أراد أن يطيل في الصلاة فيسمع بكاء الطفل فيخفف لئلا يشق على أمه، ولما بكت أمامة بنت زينب ابنته حملها وهو يصلي بالناس، فإذا سجد وضعها، وإذا قام رفعها” رواه البخاري ومسلم، وسجد صلى الله عليه وسلم مرة فصعد الحسن على ظهره، فأطال السجود، فلما سلم اعتذر للناس وقال صلى الله عليه وسلم ” إن إبني هذا إرتحلني، فكرهت أن أرفع رأسي حتى ينزل” رواه أحمد والنسائي، وقال صلى الله عليه وسلم ” من أمّ منكم الناس فليخفف، فإن فيهم الكبير والصغير والمريض وذا الحاجة” رواه البخاري ومسلم، وقال صلى الله عليه وسلم لمعاذ لمّا طوّل بالناس ” أفتّان أنت يا معاذ؟” رواه البخاري ومسلم، وقال صلى الله عليه وسلم ” لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة” رواه البخاري ومسلم.
وربما ترك العمل خشية أن يفرض على الناس، وكان يتخوّل أصحابه بالموعظة، كل ذلك رحمة منه صلى الله عليه وسلم، وكان يقول ” والقصد القصد تبلغوا” رواه البخاري، ويقول صلى الله عليه وسلم ” عليكم هديا قاصدا” رواه أحمد، ويقول خذوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا” رواه البخاري ومسلم، وعن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها، قالت وما خيّر بين أمرين إلا إختار أيسرهما ما لم يكن إثما، وأنكر على الثلاثة الذين شدّدوا على أنفسهم في العبادة، وقال صلى الله عليه وسلم ” والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، ولكنني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، فمن رغب عن سنتي فيس مني” رواه البخاري ومسلم، وأفطر في سفر في رمضان وقصر الرباعية وجمع بين الظهر والعصر.
وبين المغرب والعشاء في السفر، ونادى مؤذنه في المطر أن صلوا في رحالكم، وقال صلى الله عليه وسلم ” هلك المتنطعون” رواه مسلم، وقال صلى الله عليه وسلم ” ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه” رواه مسلم، وأنكر صلى الله عليه وسلم على عبدالله بن عمرو بن العاص إرهاق نفسه بالعبادة، ويقول ” إيّاكم والغلو” رواه أحمد، والنسائي وابن ماجه، ويروى عنه قوله ” أمتي أمة مرحومة” رواه أحمد، وقال صلى الله عليه وسلم ” إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم” رواه البخاري ومسلم، وهذا اليسر في حياته عليه الصلاة والسلام يوافق يسر الملة وسهولة الشريعة، وهو إمتثال منه صلى الله عليه وسلم لقول ربه تعالي ” ونيسرك لليسري ” وقوله تعالي ” لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ” وغيرها من الآيات.
فهو صلى الله عليه وسلم سهل ميسّر رحيم في رسالته ودعوته وعبادته وصلاته وصومه وطعامه وشرابه ولباسه وحله وترحاله وأخلاقه، بل حياته مبنية على اليسر لأنه جاء لوضع الآصار والأغلال عن الأمة، فليس اليسر أصلا إلا معه، ولا يوجد اليسر إلا في شريعته، فهو اليسر كله، وهو الرحمة والرفق بنفسه، صلى الله عليه وسلم.