الدكروري يكتب عن الطوائف والعقائد في الخلافة العباسية
بقلم محمـــد الدكـــروري
ذكرت المصادر التاريخية الإسلامية الكثير والكثير عن الخلافة العباسية وهي الخلافة الثانية
بعد الخلافة الراشدة والخلافة الأموية، وقد وصف الجاحظ وضع المسيحيين خلال العصر العباسي،
وقال إن النصارى متكلمون وأطباء ومنجمون، وعندهم عقلاء وفلاسفة وحكماء وإن منهم كتاب السلاطين، وفرّاشي الملوك، وأطباء الأشراف، والعطارين والصيارفة وإنهم اتخذوا البراذين والخيل،
واتخذوا الشاكرية والخدم والمستخدمين، وامتنع كثير من كبرائهم عن عطاء الجزية،
أما اليهود فعوملوا كالمسيحيين ارتقى بعضهم مناصب مرموقة في الدولة، وأصبح حاخام بغداد
رأسا للطائفة اليهودية في العالم، بسبب التسامح والرعاية، وبنى الخليفة المعتضد
لليهود مدرسة تلمودية في بغداد.
وفي عهد الخليفة المستنجد بالله عام ألف ومائة وسبعين ميلادي،
قدر عدد اليهود في بغداد وحدها بأربعين ألفا اشتهروا خلاله بالنشاطات الاقتصادية
من تجارة وصيرفة على وجه الخصوص، وكذلك حال المندائيين الذين اعتبروا في الفقه من أهل الكتاب،
وانتشروا في الأحواز وجنوب العراق، وكانت مدينتا واسط وميسان عواصم لهم،
وقد تم نقل وجود أربعمائة مشكينا في ميسان أوائل العصر العباسي،
واشتهر منهم عدد من القضاة ورجال العلم والأدب، ولم يقتصر الأمر على ذلك فإن حران
وجوارها كانت مركزا وثنيا كبيرا تعبد فيها الكواكب والأفلاك، وقد تسامح الخلفاء الأمويون،
ومن بعدهم العباسيون، مع وثنية أهل حران إلى عهد المأمون إذ إن المأمون مر بحران عام ثماني مائة وثلاثون ميلادي.
فاغتاظ من الوثنية، وطلب من أهلها التحول إلى الإسلام، أو إحدى الديانات التي يعترف الإسلام بها، فدخل الحرانيون بالصابئة، غير أنهم ظلوا وثنيين، ومن هنا يمكن التمييز بين طائفتي صابئة، الصابئة المندائيون في جنوب العراق، والصابئة الحرانيون الوثنيون، ويمكن القول بأن الحرانيين لم يقوموا سوى بتغيير شكلي وقد ظلت حران على هذه الحال إلى أن دمرها تيمورلنك في القرن الرابع عشر، ويذكر أبو الفداء أنها قد تحولت إلى كومة خراب، وانقرض دين معتنقيها بعد غزوه هذا وعلى الرغم من هذا يجب الإشارة إلى أن أتباع الأديان غير الإسلامية، حتى خلال هذه المرحلة، لم تكن مساواتهم بسائر الرعايا من المسلمين كاملة، فيما يخص الزواج أو الميراث أو إنشاء دور العبادة في بعض المراحل.
والقسم الأكبر من هذا التعايش تبخر خلال عصور الانحطاط، فهدمت الكنائس، ومنع أبناء هذه الأديان من ركوب الخيل ومزاولة بعض الأنشطة التجارية والاقتصادية، أو الإقامة في دور مرتفعة، كما أنهم قد عوملوا كرعايا من الدرجة الثانية، وأخذ السلاطين والولاة يستبدون بهم، وكان البدو يقتحمون الكنائس والأديرة لسلبها على ما يذكر المؤرخ ابن بطريق والمسعودي وغيرهما وكانت إحدى نتائج ذلك، هو هجرة المسيحيين الذين رفضوا اعتناق الإسلام من المدن نحو الجبال، وهكذا أخذ الموارنة بالنزوح من وادي العاصي باتجاه جبال لبنان العصية، وكذلك سجلت حركات هجرة مسيحية نحو طور عابدين ونحو ماردين وغيرهما من الأماكن المنعزلة.
وعموما لا يمكن أن يفهم أن الاضطهادات كانت مستمرة، إذ كانت تخف وتيرتها بين الفينة والأخرى، وقد شملت جميع الأقليات الدينية، حتى الإسلامية منها في بعض الأحيان، ويذكر أنه عندما دخل هولاكو بغداد أمر بعدم التعرض للمسيحيين، لكون زوجته مسيحية، ومن أتباع كنيسة المشرق الآشورية، وأمر ببناء كاتدرائية في بغداد.














