الظاهر بيبرس يقوم بإغتيال قطز

بقلم محمـــد الدكـــروري

الحمد لله وكفى، وسمع الله لمن دعا، وبعد، فاتقوا الله عباد الله حق التقوى، وتمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، واعلموا أن في الدين عصمة أمركم، وحسن عاقبتكم وبعد ذكرت المصادر التايخية الكثير عن دولة المماليك في مصر ومواجهتها للمغول، وقيل أنه سقطت مدن الشام الواحدة تلو الأخرى في يد المغول، فساروا من حلب إلى دمشق ثم بعلبك نزولا إلى فلسطين حتى بلغوا غزة، وأرسل هولاكو إلى قطز خطاب تهديد ووعيد يطلب منه التسليم ويقول له ” يعلم الملك الظفر قطز وسائر أمراء دولته وأهل مملكته بالديار المصرية وما حولها من الأعمال أنا نحن جند الله في أرضه، خلقنا من سخطه وسلطه علي من حل به غضبه فإتعظوا بغيركم فنحن لا نرحم من بكي ولا نرق لمن شكي ” وختم رسالته بقصيدة جاء في مطلعها.

” ألا قل لمصر ها هلاون قد أتى بحد سيوف تنتضى وبواتر، يصير أعز القوم منا أذلة ويلحق أطفالا لهم بالأكابر، ولكن قطز لم يجبن أمام ذلك التهديد، فقتل رسل المغول وعلق رؤوسهم على باب زويلة، وقرر الخروج للتصدي للمغول، وشجعه على ذلك الأنباء التي أفادت برحيل هولاكو شرقا بعد أن علم بوفاة الخاقان الأعظم منكو خان، وتركه القيادة بيد نائبه كتبغا، وأن الصليبيين نفضوا يدهم من التحالف مع المغول لعدم ثقتهم فيهم، فرأى أن الفرصة أصبحت مؤاتية للوقوف بوجه هذا الخطر ودحره والإنتصار عليه أعد المُسلمون العدة لمواجهة المغول، وخرجوا بقيادة قطز نحو فلسطين، فقابلوا جيش المغول في يوم الخامس والعشرين من شهر رمضان من عام ستمائة وثماني وخمسين من الهجرة، في سهل عين جالوت حيث دارت بين الطرفان معركة حامية الوطيس.

أفني فيها الجيش المغولي عن بكرة أبيه، وتم قتل قائده كتبغا، ثم حرر المسلمون باقي مدن الشام من المغول، وأمر قطز بإنزال القصاص بالذين تعاونوا معهم، وكان في مقدمتهم عدد من الأهالي المسيحيين في دمشق وغيرها، والأمراء الأيوبيين، فيما عفى عن قسم آخر منهم، ثم رتب أوضاع المدن المستعادة، وأعلن وحدة الشام ومصر مجددا، قبل أن يقفل ويرجع إلى القاهرة، التي أصبحت منذ ذلك الحين قبلة العلماء والأدباء النازحين من العراق والشام والبلاد التي دمرها المغول، وبعد زوال الخطر المغولي الذي أجبر المماليك جميعا على الإتحاد، تجددت النزاعات بين قطز ومماليكه المعزية من جهة وبين المماليك البحرية بقيادة الأمير بيبرس البندقداري من جهة أخرى، وكان من نتيجة تلك النزاعات أن دفعت المماليك البحرية بيبرس إلى إغتيال قطز يوم السبت.

الخامس عشر من شهر ذي القعدة من عام ستمائة وثماني وخمسين من الهجرة، بعد أن أظهر قصر نظر في الحقل السياسي حين تجاهل مكانة بيبرس التي إرتفعت بعد معركة عين جالوت، وبعد مقتل قطز، بايع الأُمراء والجند بيبرس سلطانا على مصر والشام، وحلفوا له جميعا أن لا يخونوا ولا يثبوا عليه، ويبدو أن بيبرس شعر منذ أن تسلم الحكم، أنه بحاجة إلى دعم أدبي يكسب حكمه صفة شرعية، بعد أن نظر إليه معاصروه على أنه اغتصب السلطنة من قطز، ويضاف إلى ذلك أن كثيرا من الناس إستمرت تنظر إلى المماليك نظرة الريبة من زاوية أصلهم غير الحر وإنتزاعهم الحكم من سادتهم الأيوبيين، مما كان دافعا لهم للبحث عن سند شرعي يبررون بواسطته حكمهم

You May Have Missed